وتلاعبه بالألفاظ والعبارات ، وظل ذلك كله في اطار الوصف التقريري الذي يرسم ما تقع عليه العين ، وينقله نقلا أمينا في أكثر جزئياته وتفاصيله معتمدا على الملاحظة الحسية التي « أفرغت في قوالب تحدرت إلى الشعراء من الأجيال القيمة » ولم تفسح « مجالا واسعا أمام الشعراء لإظهار شخصياتهم إلا في القليل النادر حيث تكون المفارقة صريحة جدا » . ( 1 ) ولنستمع إلى كعب في نموذج من قصائده لنتحقق من ذلك الذي رأيناه التزاما في شعره : يقول كعب ( 2 ) ديوان كعب ، ص 65 - 74 . :
لقد بدأ كعب هذه القصيدة بالغزل ، وانتهى إلى اعتلاء ناقته والسير بها في طرق الصحراء واصفا مشاهداته لها بأسلوب نلمح فيه الدقة والجزالة ولكننا أيضا نلمح فيه التفاصيل نفسها التي اعتدنا أن نسمعها عند أبيه أو عند غيره من الشعراء . ( 2 ) إن كعبا في هذه الأبيات صائغ ماهر ورث صنعة تحدرت اليه من أبيه ومن أنماط لشعراء سابقين ، إلا أنه حاول أن يبني لنفسه بيتا خاصا به ، أو يصنع عقدا اختار حباته بنفسه ، ولكن الحجارة التي استعملها في بناء ذلك البيت لم تكن إلا حبات عقود سابقة أفردها ومن ثم عاد ليشكل منها عقدا آخر يحمل تقاسيم يديه وترتيب خياله المتفرد ، واستطاع إلى حد ما أن يبني بيتا متينا ، ويصوغ عقدا جميلا ، إلا أنه لم يستطع أن يخرج في ذلك البناء والترتيب على تقاليد عصره وأذواقهم السائدة ، بحيث ظل البناء أو العقد عملا له نظائره ، وصنعة لها ما يحاكيها ، فهو لم ينطلق إلى غايته من بواعث نفسية خاصة ، أو مشاعر ذاتية ضاغطة فرضت عليه أن يعبر عن حاجات اعتملت في النفس ، ووجدت في الشعر متنفسا للافصاح عنها بأسلوب خاص يحمل كل توعات أذات ، وهموم الحياة ، وآثر كعب أن يسير في أبياته على طريق من تقدمه ، ففقد شعره رونق الجدة ، وعذوبة التفرد ، وحلاوة الابتكار ، وظلت تنقصه التجربة التي تهز المشاعر ، وتبعث الكلم دفاعا مستلا من الأعماق ، حاملا معه كل عناصر الشعر الأصيل . وإذا نحن حاولنا أن نتجاوز هذا الموضوع إلى غيره من الموضوعات الأخرى في شعر كعب ، فإننا سنلمح في ديوانه شعرا متشابها في كثير من قصائده ، وهذه حقيقة نلمسها في نزوعه الدائم إلى وصف الناقة والصحراء وما فيها من طرق وحيوانات ومشاهد تتكرر هنا وهناك ، يقلبها كعب في صياغات متعددة حصرت خياله أو استولت عليه بيئة لم يستطع التفلت منها فظل يرسف في تقريرية فلما تركت الخيال يبتكر ويتفتق عن معان جديدة وصور ذهنية مبتكرة ، حتى في مدحه للنبي عليه الصلاة والسلام ، فان روح التقليد يبدو واضحا وجليا ، وكان الشاعر يمدح سيدا من سادات قومه وكبيرا من أكابرهم ، لا نبيا جاء بأكبر انقلاب ديني عرفته البشرية ، وأحدث تغيرات أصيلة في جوهر