بعيد إسلامه من معان اسلامية وابتعاد عن أعراف الجاهلية ومنازعها يوحي جميعه بان كعبا تفرغ لدينه ، وآثر قراءة القرآن الذي بهر الناس ببلاغته وملك عليهم ألبابهم ، فانصرف مقتفيا نهج معاصره لبيد بن ربيعة الذي تذكر الروايات عنه حادثة توضح ذلك النهج ، ومفادها ان عمر بن الخطاب قد أرسل إلى عامله على الكوفة المغيرة بن شعبة ان استنشد من عندك من شعراء مضر ما قالوه في الإسلام ، فأرسل إلى لبيد وغيره بذلك ، فانطلق لبيد إلى بيته فكتب سورة البقرة في صحيفة ثم اتى بها فقال : « أبدلني الله هذا في الإسلام مكان الشعر » . ( 1 ) وكذلك يشير ابن خلدون ، ربما بوحي من هذه الحادثة ، إلى تفرغ المسلمين في بداية الدعوة إلى القرآن والجهاد في سبيل الله فيقول : « ثم انصرف العرب عن ذلك » أي عن الشعر « أول الإسلام بما شغلهم من امر الدين والنبوة والوحي ، وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه فاخرسوا عن ذلك ، وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زمانا » . ( 2 ) ثانيهما : إننا لا نستطيع ان نجد تفسيرا لقلة شعر كعب ، وهو من هو من الشعر ونظمه ، إلا بذلك النزوع عنه إلى الإسلام وتعاليمه ، ولا يمكن ان نرد أسباب تلك النزورة ونعزوها إلى اشتهار ذلك البيت - أي بيت زهير وأبنائه وأتباعه - بتنقيح الشعر وتهذيبه ، فيروى : أن زهيرا كان ينظم القصيدة في شهر وينقحها ويهذبها في سنة ، وكانت تسمى قصائده حوليات زهير . ( 3 ) ويشير الجاحظ إلى ذلك البيت فيقول : ومن شعراء العرب من كان يدع القصائد تمكث حولا كريتا وزمنا طويلا يردد فيها نظره ، ويقلب فيها رأيه ، اتهاما لعقله وتتبعا على نفسه ، فيجعل عقله زماما على رأيه ورأيه عيارا على شعره ، إشفاقا على أدبه ، واحرازا لما خوله الله من نعمته ( 4 ) فهب بأننا أخذنا بهذا الرأي ، وأعدنا نزورة شعر كعب إلى ما أوثر عن ذلك البيت من تهذيب وصقل ومراجعة ، فان تراثه الشعري الذي حفظه لنا ديوانه الذي بين أيدينا مع ذلك ، لا يتناسب وعمره المديد وسنيه الطويلة وشهرته العريضة ، حتى اننا أيضا نجد في ديوانه قصائد قد شك الدارسون في نسبتها اليه ، وان ما صح فيه « أي في ديوانه » من شعر ، فإنه في نظرنا قليل ويستوجب منا تفسيرا يحملنا على القول : بان كثيرا من شعر كعب قد ضاع نتيجة لظروف معينة ، ولمواقف نجهل تفاصيلها ، ولكننا نستشف بعضها من خلال قراءة متانية لشعره تكشف ولاءه السياسي على ما يبدو متفقا مع الاتجاه السياسي لأولي الأمر في عصره فأهمل الرواة بسبب ذلك رواية شعره ( 5 ) أو من خلال ما ذكره ابن سلام في طبقاته عن عمر بن الخطاب حين قال : « كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه ، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب ، وتشاغلوا بالجهاد ، وغزوا فارس والروم ولهيت عن الشعر وروايته . ( 6 ) فهذا الحديث أيضا ، قد يفسر لنا بعض ما أردنا تعليله من ضياع شعر كعب وغيره ، فلا عجب ان نحن كذلك رددنا نزورة شعر كعب وقلته التي بين أيدينا إلى انشغال العرب وتلهيهم عن الشعر وروايته بالفتوح ونشر الدعوة الإسلامية والانصراف عنهما إلى قراءة القرآن وإمعان النظر في آياته المحكمات ، وبلاغته التي بهرت العقول والأبصار . أما سيرته الشخصية ، فلم تشر إليها المصادر بشيء يوضح بعض تفاصيلها ، وكل الذي ذكرته من تلك السيرة يوحي إلى القول : بان كعبا كان رجلا محارفا مملقا لا ينمى له مال ( 7 ) وكان يحالفه ابدا إقتار وسوء حال ( 8 ) ، وقد انعكس اثر ذلك على شعره ، فبتنا نراه في كثير من أشعاره يشكو دهره ، ويتافف من غيره وأحداثه وتقلباته ، ويعزو ما هو فيه من حال سيئة إلى شؤم جده وطالعة ، فترك كل ذلك في نفسه أسى ومرارة وتبرما من الحياة ، وساما منها نكاد نلمح فيه سام أبيه ، يقول كعب :
( 9 ) ويقول في موضع آخر مشيرا إلى رزقه المجدود ، وجده المحدود :
( 10 ) ومما لا شك فيه ان تضييق الحياة عليه ، وقسوتها التي لم ير لها سببا قد خلفا في نفسه برما منها ، وأدى بالتالي إلى قسوة فيه نلحظها في فظاظة الطباع عنده وجفوة المعاشرة حتى نكاد نحس بان كعبا كان بدويا فظا غليظ القلب نافر الطباع يثور وينتفض لأدنى ملاحظة ربما لا يكون لها أساس أو حقيقة ، ولكنه يتوهمها ويستشعرها نتيجة لذلك الوضع الذي يجد نفسه فيه ، وخير دليل على ذلك حادثة أخيه بجير ، وإرسال زهير بفرس كعب إلى زيد الخيل لقاء إكرامه لمثوى ابنه واعتنائه به ، وغضب كعب لفقدانه فرسه ، وملاحاته لأبيه ، وهجائه لزيد ، ومحاولته إيقاع الشر بين رهط زيد ورهط بني ملقط انسبائه ، وذلك من أجل فرس وهبها أبوه لقاء معروف أسدي اليه ، حتى رأينا امرأته تقرعه وتلومه وتقول له : أما استحييت من أبيك لشرفه وسنه أن تؤيسه في هبته عن أخيك ، ولامته ، وكان قد نزل بكعب قبل ذلك ضيفان فنحر لهم بكرا كان لامرأته ، فقال لها : « ما تلوميني إلا لمكان بكرك الذي نحرت