تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩

أما سيرة كعب الأدبية ، فيبدو ان شرف صحبته لرسول الله ( ص ) قد زاد من هالتها وتالقها ، وخاصة بعد إلقائه تلك القصيدة الرائعة بين يديه ، فقد ارتبطت سيرة كعب الأدبية بهذه القصيدة التي احتلت مكانها اللائق في عالم الشعر حتى غدت نهجا سلكه أكثر الشعراء وطريقا اقتفوا آثاره في مدح النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ، وتفننوا فيه غاية التفنن ، فالمراجع لكتب الأدب يلحظ كيف تحولت البردة إلى قصيدة فريدة اكتسبت بمرور الزمن جدة وتالقا وصارت موضع تبرك واستشفاء وتقرب من الله في المناسبات التي تتطلب تضرعا وابتهالا ، كما تحولت أيضا إلى نموذج أعلى انبرى الشعراء في كل عصر إلى معارضته وتشطيره وتخميسه ، وعكف عليه الدارسون شرحا وبحثا وتحليلا ومقارنة ، وترجمه المترجمون إلى لغات عدة في الشرق والغرب على السواء . ( 1 ) كما أن المراجع أيضا سوف يلحظ كيف استأثرت هذه القصيدة بالأحكام الأدبية الصادرة عن النقاد قديما وحديثا حتى يكاد الدارس لشعر كعب يظن أن ليس لكعب من الشعر غيرها ، رغم ان ديوانه يزخر بالقصائد الجياد ، لكنها أضحت كالنجوم التي تفقد تالقها حين تسطع الشمس وترسل أنوارها لتضيء الأرض والوجود . ولقد انصبت الأحكام على كعب بوحي من تلك القصيدة ، بل وبتوجيه منها حتى كادت ان تغفل لكعب كل سيرة غيرها ، فالمصادر والمراجع لا تذكر كعبا إلا مرتبطا بها ، فهذا ابن سلام في طبقاته يتحدث عن كعب ، ويعده في الطبقة الثانية من الشعراء ، ولكنه يخصص حديثه عنه لحادثة إسلامه والقائه تلك القصيدة في حضرة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام . ( 2 ) أما صاحب العمدة ، فإنه يورد كعب مدللا بتلك القصيدة على فضل الشعر وأهميته ، وعلى ان الرسول عليه الصلاة والسلام لم ينه عن الشعر ، ولم يغض من قدره ، بل نهى عن الشعر الذي يتعارض مع قيم الدعوة الإسلامية ومبادئها الداعية إلى الحق والخير والايمان ، فهو إذ يذم الشعر انما يذم منه ما كان داعيا إلى التفرقة والعصبية الجاهلية ، وما كان مذكيا بين الناس الأحقاد والشرور والمفاسد ، ولذلك نرى الرسول يثيب كعبا ويتجاوز عن سيئاته ، ويهب له بردته الشريفة التي آثرها كعب على كل عطاء . ( 3 ) ويذكر ابن قتيبة كعبا فيقتصر على القول : إنه كان فحلا مجيدا ، ثم يشير باسهاب إلى حادثة إسلامه ، ويروي بعد ذلك باختصار شديد طلب الحطيئة منه ان يذكره في شعره . ( 4 ) وهكذا ، يظهر لنا ان الأحكام التقويمية التي تناولت كعبا وشعره لم تبن على دراسة حقيقية لشعره ، وكلها تقريبا ارتبطت بتلك القصيدة ولم تتجاوزها إلى ما عند كعب من شعر ، ولذلك كانت تلك الأحكام في أكثرها موجزة بل ومتشابهة ان صح التعبير ، وهي لم تتعد القول : بان كعبا من الشعراء ( 5 ) المخضرمين ومن فحول الشعراء ، أو ان كعب بن زهير من فحول الشعراء هو وأبوه وكذلك ابنه عقبة . ( 6 ) أو قولها : كان كعب بن زهير شاعرا مجودا كثير الشعر مقدما في طبقته هو وأخوه بجير ، وكعب أشعرهما وأبوهما فوقهما ( 7 ) أو انه كان شاعرا فحلا مجيدا . ( 8 ) ونذكر في هذا المجال قول خلف الأحمر : لولا قصائد لزهير ما فضلته على ابنه كعب ( 9 ) أو قوله : لولا أبيات لزهير أكبرها الناس لقلت ان كعبا أشعر منه ( 10 ) هذا ولم يسلم المحدثون من مؤرخي الأدب ودارسيه من تأثير تلك القصيدة ، فنرى بروكلمان يذكر كعبا ويشير إلى ملكته الشعرية التي ورثها عن أبيه ، ويعرج على ذكر قصيدة البردة فيقول : « وهي من أشهر أشعار العرب ، وألبست الشاعر حلة مجد لا يبلى » ( 11 ) كذلك فان طه حسين يستعرض قصيدة البردة في حديث له ، وينتهي إلى القول : فما أرى إلا أن مدحه فيها يعدل مدح زهير كله « . ( 12 ) تلك هي بعض الآراء التي ذكرت كعبا في سيرته الأدبية نكتفي بهذا القدر منها منتهين إلى القول : إن تلك القصيدة قد أضفت على كعب حقا تلك الشهرة العريضة التي هي في رأينا لا تتناسب مع تراثه الشعري الذي خلفه لنا ، إذ ليس في ديوانه لولا هذه القصيدة ما يفسر لنا ذلك ، ثم إن ما تضمنه ذلك الديوان من قصائد قليلة ومقطوعات يسيرة لا يتفق أيضا مع عمره المديد الذي تذكر الروايات انه امتد ليشهد خلافة معاوية بن أبي سفيان ، وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال يطرح نفسه ، ولا بد من الإشارة اليه ومناقشته ، وهو يدور حول قلة شعر كعب بعد الإسلام وتعليل أسباب تلك القلة ، فهل آثر كعب السكوت في أواخر حياته عن نظم الشعر ، وتفرغ إلى دينه وقراءة القرآن كما فعل معاصره لبيد بن ربيعة ، أم ان شعره ضاع لأسباب تتعلق بمواقف شخصية له ؟ ثم إن المراجع لكتب الأدب والسيرة لا يرى ذكرا لكعب بعد حادثة إسلامه ، فأين شعره في تلك السنوات الطوال التي رافق انتشار الإسلام وامتداد فتوحاته وعظمة انتصاراته ، وهي في نظرنا من أبرز الدوافع التي تحث على نظم الشعر وتسطيره وإبراز العواطف الدينية والتعبير عنها ، للإجابة على تلك التساؤلات ، فإننا ننتهي إلى رأيين اثنين : أولهما : ان كعبا بعيد إسلامه قد خفف من نظم الشعر إلا مقطوعات يسيرة استلهمها من الإسلام وتعاليمه - وسوف نشير إليها عند حديثنا عن شعره - وتفرغ إلى دينه الذي نعتقد انه قد حسن بدليل ان كتب السيرة لم تنكر عليه موقفا أو قولا بعد إسلامه ، وبدليل آخر نستخلصه من تمسكه بعطاء رسول الله ( ص ) ، ذلك العطاء الذي قال عندما طلب منه : ما كنت لأوثر بثوب رسول الله أحدا . ( 13 ) ثم إن ما تضمنه شعره

هامش
( 1 ) راجع فؤاد أفرام البستاني ، مجلة المشرق عدد 31 ، السنة 1933 ، ص 699 ، والمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي الجزء التاسع ، ص 863 وفهرس الأعلام للزركلي مجلد 5 ، ص 226 .
( 2 ) راجع طبقات الشعراء ، ص 46 - 47 .
( 3 ) راجع العمدة في صناعة الشعر ، ص 17 - 18 .
( 4 ) راجع الشعر والشعراء ، الجزء الأول ، ص 81 - 82 .
( 5 ) الأغاني ، ج 15 ، ص 147 .
( 6 ) عيون الأثر ، ج 2 ، ص 274 .
( 7 ) الاستيعاب ، ج 3 ، ص 1315 .
( 8 ) معجم الشعراء للمرزباني ، ص 342 ، دار الكتب العلمية .
( 9 ) خزانة الأدب للبغدادي ، ج 4 ، ص 11 ، والاستيعاب ، ج 3 ، ص 1315 .
( 10 ) راجع فؤاد أفرام البستاني ، مجلة المشرق عدد 31 ، السنة 1933 ، ص 699 ، والمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي الجزء التاسع ، ص 863 وفهرس الأعلام للزركلي مجلد 5 ، ص 226 .
( 11 ) بروكلمان - تاريخ الأدب العربي ، ج 1 ص 159 .
( 12 ) حديث الأربعاء ، ج أول ، ص 125 .
( 13 ) الكامل في التاريخ ، ج 2 ، ص 276 .