الإسلام فأسلم ، فبلغ ذلك كعبا فقال ( 1 ) :
عليه قال : أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه . وتذكر الروايات ان كعبا بعد ان غلب الإسلام على قومه مزينة راح يهجوهم هجاء مرا فعلم بذلك رسول الله ( ص ) فاهدر دمه ( 2 ) وقيل إن سبب إهدار الرسول لدمه هو مناصبته العداء للمسلمين كما فعل بنو غطفان ( 3 ) ، وقيل انما امر رسول الله بقتله وقطع لسانه بعد سماعه من بجير تلك الأبيات ( 4 ) ، أو لأنه كان تشبب بأم هانئ بنت أبي طالب ( 5 ) وخاف بجير على أخيه من القتل فكتب اليه بعد قدوم رسول الله من منصرفه عن الطائف كتابا ضمنه الأبيات التالية ( 6 ) :
وقال له : إن رسول الله ( ص ) قتل رجلا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه ، وإن من بقي من شعراء قريش : ابن الزعبري ، وهبيرة بن أبي وهب ، قد هربوا في كل وجه ، فان كانت لك في نفسك حاجة ، فطر إلى رسول الله ( ص ) فإنه لا يقتل أحدا جاء تائبا ، وان لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض ، قال ابن إسحاق : فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه ، فقالوا : هو مقتول ، فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ( ص ) ، وذكر خوفه وإرجافه الوشاة به من عدوه ، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل إلى رجل كانت بينه وبينه معرفة ، من جهينة كما ذكر لي ، فغدا به إلى رسول الله ( ص ) حين صلى الصبح ، فصلى مع رسول الله ( ص ) ، ثم أشار له إلى رسول الله ( ص ) فقال : هذا رسول الله فقم اليه فاستامنه ، فذكر لي انه قام إلى رسول الله ( ص ) حتى جلس اليه فوضع يده في يده ، وكان رسول الله ( ص ) لا يعرفه ، فقال يا رسول الله : إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه ان أنا جئتك به ؟ فقال رسول الله ( ص ) : نعم ، قال : أنا يا رسول الله كعب بن زهير ، قال ابن إسحاق ، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار ، فقال : يا رسول الله دعني وعدو الله اضرب عنقه ، فقال رسول الله ( ص ) : دعه عنك فإنه قد جاء تائبا نازعا عما كان عليه ، فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم ، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير ، فقال قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله ( ص ) ( 7 ) وقد عرض كعب فيها بالأنصار لموقفهم منه ، ومدح إخوانهم المهاجرين من قريش ، فقال له رسول الله ( ص ) : لولا ذكرت الأنصار بخير فإنهم لذلك أهل ، فقال كعب قصيدة مشهورة في مدحهم ( 8 ) « فكساه النبي ( ص ) بردة كانت عليه ، فلما كان زمن معاوية أرسل إلى كعب ان بعنا بردة رسول الله ، فقال : ما كنت لأوثر بثوب رسول الله أحدا ، فلما مات كعب اشتراها معاوية من أولاده بعشرين ألف درهم ، وهي البردة التي عند الخلفاء الآن » ( 9 ) ، وقيل إنها بيعت في « أيام المنصور الخليفة بمبلغ أربعين ألف درهم ، وبقيت في خزائن بني العباس » . ( 10 ) تلك هي السيرة التاريخية لكعب بن زهير كما استخلصناها من المصادر الأدبية والتاريخية وكتب السيرة ، وقد أغفلت جميعها تماما أي تفاصيل أخرى عن حياته ، ولم تشر من قريب أو بعيد إلى احداث حياته بعد إسلامه تلك ، حتى أن ديوان شعره يكاد لا يتجاوز فيما تضمنه من قصائد تلك الفترة رغم ان عمره يمتد في بعض الروايات ليبلغ أيام معاوية ، كما لم تشر المصادر إلى أوان وفاته الذي يظهر ان الغموض قد لفه لأسباب نجهلها رغم شهرته العريضة وموقعه المؤثر ، ولكن بعض الدراسات المعاصرة حاولت ان تحدد تاريخا لوفاته فذكرت سنة 24 ه ( 11 ) كما ذكرت سنة 26 ه ( 12 ) ، بينما آثر البعض سنة 42 همستندا إلى حادثة البردة ورغبة معاوية بن أبي سفيان في شرائها ، وهذا الاستناد في رأي الدكتور فؤاد أفرام البستاني « لا يفرض صحة ما يروى عن رغبة معاوية في شراء البردة من كعب فحسب ، بل يفرض ان معاوية كان خليفة إذ ذاك ، وهو امر لم يشر اليه أحد من قدماء المؤرخين » وينتهي الدكتور بستاني إلى القول : « ومهما يكن من امر ، فان ذكر سنة بعينها لوفاة كعب ، لمن الصعوبة بمكان ، وأصعب من ذلك تعيين سنة لمولده ، ونحن لا نعرف يقينا إلا سنة إسلامه ، وهي السنة التاسعة للهجرة ، كما ورد في السيرة وأقره البرنس كايتاني » ( 13 )