تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨

الإسلام فأسلم ، فبلغ ذلك كعبا فقال ( 1 ) :

ألا أبلغا عني بجيرا رسالة فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا شربت مع المأمون كأسا روية فانهلك المأمون منها وعلكا وخالفت أسباب الهدى وتبعته على أي شيء ويب غيرك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه ولم تدرك عليه أخا لكا
قال ، وبعث بها إلى بجير ، فلما أتت بجيرا كره ان يكتمها رسول الله ( ص ) فأنشده إياها ، فقال رسول الله ( ص ) لما سمع
« سقاك بها المأمون »
: « صدق وإنه لكذوب ، أنا المأمون » ولما سمع
« على خلق لم تلف اما ولا أبا »

عليه قال : أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه . وتذكر الروايات ان كعبا بعد ان غلب الإسلام على قومه مزينة راح يهجوهم هجاء مرا فعلم بذلك رسول الله ( ص ) فاهدر دمه ( 2 ) وقيل إن سبب إهدار الرسول لدمه هو مناصبته العداء للمسلمين كما فعل بنو غطفان ( 3 ) ، وقيل انما امر رسول الله بقتله وقطع لسانه بعد سماعه من بجير تلك الأبيات ( 4 ) ، أو لأنه كان تشبب بأم هانئ بنت أبي طالب ( 5 ) وخاف بجير على أخيه من القتل فكتب اليه بعد قدوم رسول الله من منصرفه عن الطائف كتابا ضمنه الأبيات التالية ( 6 ) :

من مبلغ كعبا فهل لك في التي تلوم عليها باطلا وهي اضرم إلى الله لا العزى ولا اللات وحده فتنجو إذا كان النجاء وتسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت من النار إلا طاهر القلب مسلم فدين زهير وهو لا شيء دينه ودين أبي سلمى علي محرم

وقال له : إن رسول الله ( ص ) قتل رجلا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه ، وإن من بقي من شعراء قريش : ابن الزعبري ، وهبيرة بن أبي وهب ، قد هربوا في كل وجه ، فان كانت لك في نفسك حاجة ، فطر إلى رسول الله ( ص ) فإنه لا يقتل أحدا جاء تائبا ، وان لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض ، قال ابن إسحاق : فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه ، فقالوا : هو مقتول ، فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله ( ص ) ، وذكر خوفه وإرجافه الوشاة به من عدوه ، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل إلى رجل كانت بينه وبينه معرفة ، من جهينة كما ذكر لي ، فغدا به إلى رسول الله ( ص ) حين صلى الصبح ، فصلى مع رسول الله ( ص ) ، ثم أشار له إلى رسول الله ( ص ) فقال : هذا رسول الله فقم اليه فاستامنه ، فذكر لي انه قام إلى رسول الله ( ص ) حتى جلس اليه فوضع يده في يده ، وكان رسول الله ( ص ) لا يعرفه ، فقال يا رسول الله : إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه ان أنا جئتك به ؟ فقال رسول الله ( ص ) : نعم ، قال : أنا يا رسول الله كعب بن زهير ، قال ابن إسحاق ، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار ، فقال : يا رسول الله دعني وعدو الله اضرب عنقه ، فقال رسول الله ( ص ) : دعه عنك فإنه قد جاء تائبا نازعا عما كان عليه ، فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم ، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير ، فقال قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله ( ص ) ( 7 ) وقد عرض كعب فيها بالأنصار لموقفهم منه ، ومدح إخوانهم المهاجرين من قريش ، فقال له رسول الله ( ص ) : لولا ذكرت الأنصار بخير فإنهم لذلك أهل ، فقال كعب قصيدة مشهورة في مدحهم ( 8 ) « فكساه النبي ( ص ) بردة كانت عليه ، فلما كان زمن معاوية أرسل إلى كعب ان بعنا بردة رسول الله ، فقال : ما كنت لأوثر بثوب رسول الله أحدا ، فلما مات كعب اشتراها معاوية من أولاده بعشرين ألف درهم ، وهي البردة التي عند الخلفاء الآن » ( 9 ) ، وقيل إنها بيعت في « أيام المنصور الخليفة بمبلغ أربعين ألف درهم ، وبقيت في خزائن بني العباس » . ( 10 ) تلك هي السيرة التاريخية لكعب بن زهير كما استخلصناها من المصادر الأدبية والتاريخية وكتب السيرة ، وقد أغفلت جميعها تماما أي تفاصيل أخرى عن حياته ، ولم تشر من قريب أو بعيد إلى احداث حياته بعد إسلامه تلك ، حتى أن ديوان شعره يكاد لا يتجاوز فيما تضمنه من قصائد تلك الفترة رغم ان عمره يمتد في بعض الروايات ليبلغ أيام معاوية ، كما لم تشر المصادر إلى أوان وفاته الذي يظهر ان الغموض قد لفه لأسباب نجهلها رغم شهرته العريضة وموقعه المؤثر ، ولكن بعض الدراسات المعاصرة حاولت ان تحدد تاريخا لوفاته فذكرت سنة 24 ه‍ ( 11 ) كما ذكرت سنة 26 ه‍ ( 12 ) ، بينما آثر البعض سنة 42 همستندا إلى حادثة البردة ورغبة معاوية بن أبي سفيان في شرائها ، وهذا الاستناد في رأي الدكتور فؤاد أفرام البستاني « لا يفرض صحة ما يروى عن رغبة معاوية في شراء البردة من كعب فحسب ، بل يفرض ان معاوية كان خليفة إذ ذاك ، وهو امر لم يشر اليه أحد من قدماء المؤرخين » وينتهي الدكتور بستاني إلى القول : « ومهما يكن من امر ، فان ذكر سنة بعينها لوفاة كعب ، لمن الصعوبة بمكان ، وأصعب من ذلك تعيين سنة لمولده ، ونحن لا نعرف يقينا إلا سنة إسلامه ، وهي السنة التاسعة للهجرة ، كما ورد في السيرة وأقره البرنس كايتاني » ( 13 )

هامش
( 1 ) في المصادر التي تذكر هذه الرواية اختلاف في ترتيب الأبيات وألفاظها ، ولا مجال إلى ذكرها ، راجع أسد الغابة ، ج 4 ص 475 ، وتهذيب سيرة ابن هشام ، ص 280 .
( 2 ) راجع بروكلمان ، تاريخ الأدب العربي ، ص 159 .
( 3 ) راجع بلاشير ، تاريخ الأدب العربي ، ص 94 .
( 4 ) راجع أسد الغابة ، ج 4 ، ص 476 .
( 5 ) راجع الكامل في التاريخ ، ج 2 ، ص 276 .
( 6 ) راجع عيون الأثر ، ص 268 .
( 7 ) تهذيب سيرة ابن هشام ، ص 281 - 282 .
( 8 ) تهذيب سيرة ابن هشام ، ص 285 .
( 9 ) الكامل في التاريخ ، ج 2 ، ص 276 .
( 10 ) في المصادر التي تذكر هذه الرواية اختلاف في ترتيب الأبيات وألفاظها ، ولا مجال إلى ذكرها ، راجع أسد الغابة ، ج 4 ص 475 ، وتهذيب سيرة ابن هشام ، ص 280 .
( 11 ) جرجي زيدان ، تاريخ آداب اللغة العربية ، ج 2 ، ص 102 .
( 12 ) فهرس الأعلام للزركلي مجلدة ، ص 226 .
( 13 ) الروائع ، أيلول 1933 ، ص 67 - 68 .