تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
وهناك حادثة أخرى المصادر الأدبية بأساليب متباينة ووقائع مختلفة ، فتنسبها حينا إلى النابغة الذبياني ، وحينا إلى زهير بن أبي سلمى ، ولكنها في النهاية تدل على شاعرية كعب ، وفطرته الأصيلة ، وبديهته المتوقدة ، فعن الشعبي قال : ( 1 )
تراك الأرض إما مت خفا وتحيا ما حييت بها ثقيلا
فقال له النعمان : هذا البيت إن لم تأت بعده ببيت يوضح معناه ، وإلا كان إلى الهجاء أقرب ، فتعسر على النابغة النظم ، فقال له النعمان : قد اجلتك ثلاثا ، فان قلت فلك مائة من الإبل العصافير ، وإلا فضربة بالسيف بالغة ما بلغت ، فخرج النابغة وهو وجل ، فلقي زهير بن أبي سلمى فذكر له ذلك فقال : اخرج بنا إلى البرية فتبعهما كعب فرده زهير ، فقال له النابغة : دع ابن أخي يخرج معنا وأردفه ، فلم يحضرهما شيء ، فقال كعب للنابغة : يا عم ، ما يمنعك أن تقول :
وذلك أن فللت الغي عنها فتمنع جانبيها ان تميلا

فأعجب النابغة وغدا على النعمان فأنشده ، فأعطاه المائة ، فوهبها لكعب بن زهير فأبى ان يقبلها . ( 2 ) وفي الأغاني أيضا ان زهيرا قال بيتا ونصفا ثم اكدى ، فمر به النابغة فقال له : يا أبا امامة أجز ، فقال : ما قلت ؟ قال : قلت :

تزيد الأرض إما مت خفا وتحيا إن حييت بها ثقيلا نزلت بمستقر العرض منها
أجز ، فأكدى والله النابغة ، وأقبل كعب بن زهير وإنه لغلام ، فقال أبوه : أجز يا بني ، فقال : وما أجيزه ؟ فأنشده فأجاز النصف بيت فقال :
« وتمنع جانبيها أن يزولا »

فضمه زهير إليه وقال : أشهد انك ابني ( 3 ) وهكذا يبدو من هذه الروايات ان زهيرا قد تكفل ابنه ورعاه ، فنمى موهبته بالرواية والاستماع والنظم ، بل وبتعليمه مبادئ القراءة والكتابة حتى يوفر له كل ما هو ضروري لنظم الشعر وإتقانه وأحكام ضبطه ومراجعته ، فقد ورد في روايات أهل الأخبار « أن عددا من الشعراء الجاهليين كانوا يكتبون ويقرؤن ، وكان منهم من إذا نظم الشعر دونه ، ثم ظل يعمل في إصلاحه وتنقيحه وتحكيك ما نظمه إلى أن يرضى عنه ، وممن كان يكتب ويقرأ ، سويد بن الصامت الأوسي صاحب [ محلة نعمان ] مجلة لقمان ( 4 ) وكعب بن زهير وكعب بن مالك الأنصاري ، والربيع بن زياد العبسي » . ( 5 ) وتشهد حياة كعب بن زهير بعد اكتمال عوده منعطفا أساسيا وهاما ، فقد قدر لذلك الشاعر ان يشهد بزوغ فجر الإسلام ، ويتشرف بلقاء الرسول ( ص ) والاستماع اليه والايمان بدعوته المباركة التي نقلت العرب من الجاهلية العمياء إلى نور الحق والايمان والهداية ، وتربط بعض المصادر إسلام كعب وبحير أخيه ، وورودهما على النبي ( ص ) برؤيا كان قد رءاها والدهما زهير من قبل ، ومفادها ان زهيرا قد رأي قبيل مماته « أن آتيا أتاه فحمله إلى السماء حتى كاد يمسها بيده ، ثم ترك فهوى إلى الأرض ، فلما احتضر قص رؤياه على ولده كعب ، ثم قال : إني لا أشك انه كائن من خبر السماء من بعدي ، فإن كان فتمسكوا به وسارعوا اليه » . ( 6 ) وسواء عمل كعب وأخوه بهذه الوصية التي لا نعرف مقدار صحتها أم لا ، فإنه كان من الواجب على كعب وأخيه بعد انتشار الإسلام وذيوع دعوته بين الناس وبين بني قومهما بالذات ، ان يسارعا ليتعرفا على هذه الدعوة التي امتلكت القلوب وأنارت العقول والأبصار ، وتهافت عليها الناس ايمانا بها من كل صوب وفج عميق ، وقلبت موازين الجاهلية الرعناء إلى نظام من الحكم الإلهي العادل الذي يساوي بين البشر وينظم حياتهم على مبادئ من الحق والخير والهداية ، إذا فلا عجب ان يسارع كعب وأخوه إلى لقاء الرسول ( ص ) والايمان به ، بل العجب كل العجب ان لا يفعلا ذلك ، وهما من هما من الأدب والعقل والاتزان ، ولذلك فإننا نرى بعض الروايات تذكر حادثة إسلامهما بأساليب مختلفة ، ولكنها جميعا تؤكد على خروج كعب وبجير من تلقاء نفسيهما للقاء الرسول والاستماع منه إلى مبادئ الدعوة ، وتقول : خرج كعب وأخوه بجير ابنا زهير إلى رسول الله ( ص ) ، فلما بلغا أبرق العزاف ( 7 ) قال بجير لكعب ( 8 ) أثبت أنت في غنمنا في هذا المكان حتى القى هذا الرجل يعني رسول الله ( ص ) ، فاسمع ما يقول ، فثبت كعب وخرج بجير ، فجاء رسول الله ( ص ) ، فعرض عليه

هامش
( 1 ) هو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار ، الحميري ، أبو عمرو ، راوية من التابعين ، يضرب المثل بحفظه ، اتصل بعبد الملك بن مروان ، فكان نديمه وسميره ورسوله إلى ملك الروم ، وهو من رجال الحديث الثقات ، استقضاه عمر بن عبد العزيز ، وكان فقيها شاعرا ، نسبته إلى شعب ، وهو بطن من همدان .
( 2 ) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ، القسم الخامس ، ص 594 - 595 .
( 3 ) الأغاني ، ج 15 ، ص 147 .
( 4 ) يحكى ان سويد بن الصامت الأوسي ، اتى مكة حاجا أو معتمرا ، فتصدى له رسول الله ( ص ) حين سمع به ، فدعاه إلى الإسلام فقال له سويد : فلعل معك مثل الذي معي ، فقال رسول الله ( ص ) : وما الذي معك ؟ قال : مجلة لقمان ، فقال رسول الله ( ص ) : أعرضها علي ، فعرضها عليه ، فقال له : ان هذا الكلام حسن ، والذي معي أفضل من هذا ، قرآن أنزله الله تعالى علي ، وهو هدى ونور ، فتلا عليه رسول الله ( ص ) القرآن ، ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه ، وقال : ان هذا لقول حسن ، ثم انصرف عنه ، فقدم المدينة على قومه ، فلم يلبث ان قتله الخزرج ، فإنه كان رجال من قومه ليقولون : إنا لنراه قد قتل وهو مسلم » تهذيب سيرة ابن هشام ، ص 101 « .
( 5 ) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج 8 ، ص 110 - 111 . وعيون الأثر ، ج 2 ، ص 267 - 268 ، والكامل في التاريخ ، ج 2 ، ص 284 - 275 ، وجمهرة أشعار العرب ، ص 13 - 14 ، والإصابة ، ج 5 ص 594 ، والاستيعاب ، ج 3 ص 1313 ، والأغاني ، ج 15 ، ص 149 - 150 .
( 6 ) خزانة الأدب ، ص 377 .
( 7 ) أبرق العزاب ، هو ماء لبني أسد بن خزيمة بن مدركة ، مشهور ، ذكر في اخبارهم ، وهو في طريق القاصد إلى المدينة من البصرة ، وقالوا : وانما سمي العزاف لأنهم يسمعون فيه عزيف الجن ، « راجع معجم البلدان لياقوت ، الجزء الأول ، ص 67 ، مادة أبرق » .
( 8 ) بعض الروايات تقول : إن كعبا قال لبجير : الحق الرجل وأنا مقيم هاهنا انظر ما يقول لك ، « الأغاني » ج 15 ، ص 145 « .