تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦

وهكذا ، فان كعبا قد ورث الشعر من طرفي أبيه وأمه ، وورثه من بعد أبناءه وأحفاده ، فيقال ، ان ابنه المضرب كان شاعرا واسمه عقبة بن كعب ، لقب بالمضرب لأنه شبب بامرأة فضربه أخوها بالسيف ضربات كثيرة فلم يمت ، وكذلك حفيده العوام بن عقبة بن كعب كان شاعرا أيضا . ( 1 ) ولكعب ابن آخر ، من ولده الحجاج بن ذي الرقيبة بن عبد الرحمن بن عقبة بن كعب ، وهو الذي روى عنه التبريزي قصيدة ( بانت سعاد ) من طريقه سندا . ( 2 ) مما تقدم نستدل على أن كعبا كان سليل بيت شعري أصيل ، له قدم وسبق في نظم الشعر وترسيخ قوافيه ، واثر قوي في صناعته وتهذيبه وصقله ، ويشير الحطيئة ( 3 ) صراحة إلى مزايا ذلك البيت وعراقته في الشعر ونظمه وتنقيحه ، فينقل الرواة عنه انه اتى كعبا وطلب منه ان يذكره في شعره حتى يتحقق له الفضل والشرف على غيره من الشعراء ، فعن أبي عبيدة قال : اتى الحطيئة كعب بن زهير وكان الحطيئة راوية زهير وآل زهير فقال له : يا كعب ، قد علمت روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم ، وقد ذهب الفحول غيري وغيرك ، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك وتضعني موضعا بعدك ، فان الناس لأشعاركم اروى ، وإليها أسرع فقال كعب :

فمن للقوافي شأنها من يحوكها إذا ما ثوى كعب وفوز جرول كفيتك لا تلقى من الناس واحدا تنخل منها مثل ما اتنخل يثقفها حتى تلين متونها فيقصر عنها كل ما يتمثل

( 4 ) هذه الحادثة تدل على المكانة الشعرية البالغة لذلك البيت ، وهي مكانة كما نرى كان بإمكانها ان ترفع وتضع ، وان تشهر وتخمل ، كما بامكاننا أيضا ان نستشف منها مدى التأثير البالغ والشهرة العريضة التي جعلت من ذلك البيت مدرسة تحوك الشعر وتعلمه ، وتكتب لمن تشاء الخلود ولمن لا تشاء النسيان وخمول الذكر . وقد نشا كعب في ذلك البيت ، وتلقى علومه الأولية فيه ، فترعرع على حب الشعر والاستماع اليه ، وكان له من والده خير معلم ومثقف ، وتذكر الروايات رعاية والده له ، ومراقبة فطرته الشعرية التي تكفلها زهير بالعناية حتى استحكمت ، وصلب عودها وترسخ قدمها فسمح لها ان تنظم الشعر ، وتنفي عنه كل ما يسيء اليه ، من هذه الروايات : أن كعبا تحرك وهو يتكلم بالشعر ، فكان زهير ينهاه مخافة أن يكون لم يستحكم شعره ، فيروى له ما لا خير فيه ، فكان يضربه في ذلك ، ففعل ذلك مرارا ، يضربه ويزبره ، فغلبه ، فطال ذلك عليه ، فأخذه فحبسه ، ثم قال : والذي أحلف به ، لا تتكلم ببيت شعر ، ولا يبلغني أنك تريغ الشعر - أي تطلبه - إلا ضربتك ضربا ينكلك عن ذلك ، فمكث محبوسا عدة أيام ، ثم أخبر بأنه يتكلم به ، فدعاه فضربه ضربا شديدا ، ثم أطلقه وسرحه في بهمة ، وهو غليم صغير فانطلق فرعاها ، ثم راح بها عشية وهو يرتجز :

كأنما احدو ببهمي عيرا من القرى ، موقرة شعيرا
فخرج زهير اليه وهو غضبان ، فدعا بناقته ، وكفلها بكسائه ، ثم قعد عليها حتى انتهى إلى ابنه كعب ، فأخذه بيده فاردفه خلفه ، ثم خرج يضرب ناقته وهو يريد ان يتعنت ابنه كعبا ، ويعلم ما عنده ويطلع على شعره ، فقال زهير ، حين برز من الحي :
إني لتعديني على الهم جسرة تخب بوصال صروم وتعنق
ثم ضرب كعبا وقال : أجز يا لكع ، فقال كعب :
كبنيانة القربى موضع رحلها وآثار نسعيها من الدف أبلق
فقال زهير :
على لاحب مثل المجرة خلته إذا ما علا نشزا من الأرض مهرق
ثم ضرب كعبا وقال : أجز يا لكع ، فقال كعب :
منير هداه ، ليله كنهاره جميع إذا يعلو الحزونة أفرق
ثم بدأ زهير في نعت النعام ، وترك نعت الإبل ، فقال زهير يعتسف به عمدا :
وظل بوعساء الكثيب كأنه خباء على صقبي بوان مروق
فقال كعب :
تراخى به حب الضحاء وقد رأى سماوة قشراء الوظيفين عوهق
فقال زهير :
تحن إلى مثل الحبابير جثم لدى منتج ، من قيضها المتفلق
ثم قال : أجز يا لكع فقال كعب :
تحطم عنها قيضها عن خراطم وعن حدق كالنبخ لم يتفتق
فاخذ زهير بيد ابنه كعب ، ثم قال : قد أذنت لك يا بني في الشعر ، فلما نزل كعب وانتهى إلى أهله ، وهو صغير يومئذ قال :
أبيت فلا أهجو الصديق ومن يبع بعرض أبيه في المعاشر ، ينفق
وقال زهير :
ويوم تلافيت الصبا ، ان يفوتني برحب الفروج ، ذي محال موثق
( 5 )
هامش
( 1 ) راجع خزانة الأدب ، ج 4 ، ص 11 .
( 2 ) راجع ديوان كعب بن زهير ، المقدمة ص م ، الدار القومية .
( 3 ) هو جرول بن أوس من بني قطيعة بن عبس ، ولقب الحطيئة لقصره وقربه من ( الأرض ) ، ويكنى أبا مليكة ، وكان راوية زهير ، وهو أحد الشعراء المخضرمين المشهورين ، راجع الشعر والشعراء ، ص 199 .
( 4 ) طبقات الشعراء ، ص 37 ، راجع كذلك الأغاني ج 15 ، ص 147 ، والشعر والشعراء ص 81 - 82 وديوان كعب ص 47 ، مع اختلاف بسيط في ترتيب الأبيات وألفاظها .
( 5 ) شرح شعر زهير بن أبي زهير بن أبي سلمى - صنعة أبي العباس ثعلب ، ص 182 - 186 ، دار الآفاق الجديدة ، والأغاني ج 15 ، 147 - 148 .