إيران ، ويعد من انجح الأشخاص الذين ساهموا في هذا المجال منذ ما يقارب المائة عام إلى الآن . ويأتي نشاطه في الرياضيات في هذا السبيل .
وفي الواقع يمكن القول انه استطاع التعريف في إيران بالبعد [ التاريحي ] التاريخي للرياضيات الإسلامية ، الذي لم نكن نعيره اهتماما كبيرا ، انما كان الأوربيون أول من نبه له . فعلى سبيل المثال حينما ألف كتابه « جبر ومقابله خيام » عام 1317 لم يكن لدينا اي مصدر يتحدث عن تاريخ الرياضيات في العصور الإسلامية . وبصورة عامة إذا سئل وقتئذ أحد الدارسين في المدارس العصرية عن مثل هذا المصدر ، فإنه لم يكن يملك جوابا . وكذلك الأمر إذا سئل أحد الدارسين في الحوزات العلمية ، فإنه سيذكر على أفضل الاحتمالات كتاب « خلاصة الحساب » للشيخ البهائي ، وإذا سئل اي شخص عن الخيام فإنه سيقول بأنه شاعر ، أو حكيم ، وبعبارة أخرى لم يكن هناك من يدري ان الخيام كان عالما رياضيا قدم خدمات جليلة في مجال الرياضيات . وفي الحقيقة فان الأوروبيين هم أول من لفت الانتباه إلى المنزلة الرياضية لدى الخيام .
هذا في الوقت الذي لم يكن الأوربيون على معرفة بالخيام في الوقت الذي باشروا اعمال ترجمة الآثار الإسلامية ، حتى انتبهوا اليه في القرن الثامن عشر ، فطبعوا له رسالتين مهمتين في الجبر وقد بادر الدكتور مصاحب إلى نقل هذه الحقيقة التي اكتشفها الأوربيون إلى الناطقين بالفارسية بادق صورة ممكنة ، ليظهر بذلك أسلوب التحقيق في تاريخ الرياضيات وبصورة عامة في تاريخ الفكر ، وليلفت انتباه المتخصصين إلى أنه على الرغم من كون هذه الموضوعات ترتبط بنا ارتباطا وثيقا ، الا ان البحث فيها لن يؤتي ثماره ما لم يكن بأسلوب عصري .
أتذكر الآن اني كنت اقرأ في كتابه الثاني « حكيم عمر خيام به عنوان عالم جبر » الذي هو في الواقع متمما للكتاب الأول ، وقد رأيت كيف يهاجم بعض كبار المعاصرين بشأن تسمية القطع المكافئ والقطع الزائد والقطع الناقص . وحجته في ذلك ان الآخرين إذا كانوا يبذلون الجهود المضنية من أجل إيضاح الأمور بالأساليب الحديثة ، فلما ذا لا نستفيد نحن منهم ونكتفي بما ينقل بأسلوب كلاسيكي قديم . وإلى جانب ذلك كان يحذر من الوقوع في شباك نسبة الفضل كله إلى الإيرانيين أو المسلمين ، على عكس الذين يتلاعبون ويحرفون الحقائق العلمية كما قال ذلك القائل بان الخيام هو مكتشف الهندسة الغير اقليدسية إذ ربما يمكن اعتبار هذا القول صحيحا إذا نظرنا اليه من زاوية محدودة ، ولكنه إذا لم يوضح فلعله يكون مضرا أكثر من أن يكون مفيدا ، ولم يكن الدكتور مصاحب ابدا من هؤلاء الذين يميلون إلى هذا النوع من الاستنتاجات التي ليست الا حصيلة المعرفة الخاطئة بتاريخ الرياضيات الإسلامية ، وتاريخ الرياضيات بصورة عامة والجانب المهم في الدكتور مصاحب انه لم يكتف ببيان الأسلوب الصحيح للتحقيق في تاريخ العلوم الإسلامية . بل قدم نموذجا مهما في هذا المجال .
وكما اعلم ليس هناك اي اختلاف بين تاريخ الرياضيات الإسلامية وتاريخ الرياضيات اليونانية أو رياضيات القرون الوسطى أو تاريخ ما هو متقدم على الرياضيات الحديثة . ولكن هناك فائدتان : الفائدة الأولى تكون عامة وغير ملموسة ولكنها تكون ذات اثر بليغ ، كما هو شان اي تاريخ عندما يتلاقح مع تاريخ آخر فإنه يسهم في تقوية الهوية الثقافية والوطنية للمجتمع ويصبح للبلاد ميراث متكامل . والفائدة الثانية ما يستفيده أهل العلم ، ويحدث أن تكون بعض الأفكار عديمة الأهمية ، ولكن يحدث أيضا ان تزال الغبار عن بعض الأفكار وتطرح بأسلوب جديد لتكون مفيدة كثيرا ، وإذا كان هذا نادرا ما يحصل فإنه يبقى ممكنا ، ويعد من الفوائد المتوقعة لدراسة تاريخ العلوم . والأمر الذي لا بد من التأكيد عليه هو ان العلوم القديمة ليست علوما ابتدائية كما يعتقد البعض ، فلو اعتبرنا بعض ما جاء في ( خلاصة الحساب ) رياضيات ابتدائية ، فان ما جاء في رسالة الجبر للخيام يختلف عن ذلك كثيرا ويعد من الرياضيات العالية . ولكن مسألة هل انها لا تزال تمتلك الفائدة العملية أم لا ، ذلك شيء آخر . وفي الحقيقة فان بعض العلماء ، يمكن التمحيص في تجاربهم وما توصلوا إليه لاكتشاف المزيد ، كما حدث في دراسة عالم الرياضيات ارخميدس ، حيث اكتشف العلماء العلة التي عدل بسببها ارخميدس عن استعمال بعض الطرق السهلة في حساب السطح إلى طرق رياضية شاقة ، وفي ذلك فائدة علمية كبيرة ، قد لا تحصل الا نادرا ، ولكنها مفيدة حين تحصل .
( وهنا طلب إلى الدكتور اسرافيليان ان يتحدث عن مؤسسة الرياضيات ، والدور الذي قام به الدكتور مصاحب في إدخال الرياضيات الحديثة ونظرية الاعداد إلى إيران ) .
إبراهيم اسرافيليان : في الحقيقة كان من المناسب بمكان لو أن الدكتور مصاحب كان قد تحدث بنفسه ، ولكن مع الأسف كان يرفض رفضا قاطعا ان يتحدث عن نفسه . بل لم يكن يقبل ان يمتدحه أحد .
وقد رأيت نموذجا من ذلك حين أخذ أحد طلاب دوراتنا يمتدح الأستاذ ، فرجع اليه وقطع عليه كلامه ، وخاطبه بشدة قائلا : أتريد ان تستغفلني ، اني أدرك جهلي أكثر من غيري ، واعرف كم من الأمور لا أعرفها . . اذهب في سبيلك ! .
اني أتحدث عنه بصفتي تلميذا من تلاميذه ، إذ كنت من طلاب الدورة الأولى في المؤسسة الرياضية ، في عام 1345 . ولعله كان يدور في خلده ان يرسي دعائم هذه المؤسسة منذ زمن بعيد ، ويرسي معها دعائم الرياضيات في البلاد . وقد نشر إعلانا في الصحف لثلاث مرات يعلن فيه ان من يجتاز امتحان القبول ، سيدخل الجامعة ( المؤسسة ) ، وعلى ما أعرف ، فقد تقدمت مجموعتان للامتحان دون ان يجتازه أحد .
وفي المرة الثالثة خفض من المستوي المطلوب ، فرضي بامثالي . ومع أن المقرر كان عشرين طالبا أو خمسة عشر ، الا انه قبل سبعة فقط ، ثم قبل بثمانية آخرين بعد ثلاثة أشهر . وكان تشدده في الأمر كتشدد الأب مع بنيه ، وإذا كان الأب يترك بنيه بعض الأحيان فإنه لم يكن ليفعل ذلك .
وأذكر ان أحد زملائي كان منزعجا بعض الشيء منه ، فلما حان وقت الوداع ، استقبله الدكتور مصاحب بلطف ومحبة وأسلوب أبوي ، قائلا : لم أكن اقصد الحاق الأذى بكم ، بل جل همي هو ان تتعلموا شيئا ، ولا تخرجون خلاة الوفاض . كان جادا إلى أبعد الحدود ، ويساعد في الوقت المناسب ، وأتذكر انه ذات مرة صدمتني سيارة ، فكان أول شخص أراه عند رأسي هو الدكتور مصاحب ، وليس أبي أو أخي .
ولعل الأخ محقا في قوله ان الدكتور مصاحب لم يكتب مقالا هز به أوروبا ، ولكنه في الحقيقة كان يقدم نفسه فداء للعلم والتعليم ، وارى لو أنه صرف عشر ما كان يصرفه من وقت في الموسوعة أو نظرية الاعداد
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 201
مساهمون: حسن الأمين
ص٢٠١