تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
وفاؤكما كالربع أشجاه وطاسمه بان تسعدا ، والدمع أشفاه ساجمه
ولم يتأخر الزمن كثيرا بالأمير سيف الدولة حتى كانت معاركه الشهيرة مع الروم في العام 339 ه‍ - 950 م . ويذكر المؤرخون ان الأمير العربي عزم على تلقين الصليبيين البيزنطيين دروسا لن ينسوها بسهولة ، إذ نجده يستعد للتقدم منذ ذلك العام في الأراضي البيزنطية فاتحا مكتسحا ، سيما وانه أخذته نشوة النصر ، فظل يضرب في أكناف الأرض ، والحصون تتساقط أمامه وتحت سنابك خيله : حصنا بعد آخر . وتمكن من أسر عدد كثير من جنود الروم وفتح سمندو وخرشنة وظل يتقدم حتى وصل إلى صارخة التي تقع على مقربة من القسطنطينية ، ففزع البيزنطيون من ذلك النصر الكاسح الذي سجله الجيش العربي في أراضيهم وسيطر الهلع على نفوسهم . وسجل لنا شعر المتنبي ذلك في قصيدة يمدح بها سيف الدولة ويذكره بانتصاره بصارخة فيقول :
مخلى له المرج منصوبا بصارخة له المنابر مشهودا بها الجمع
ويذكر أحد الباحثين ان المحاربين العرب انتشوا بخمر النصر في ظل قيادة سيف الدولة ، واستهانوا بالجيش البيزنطي وكان يرأسه الدمستق نفسه ، وصور لنا المتنبي كل ذلك ، خصوصا وانه كان حاضرا تلك المعارك ، حيث يقول :
رضينا والدمستق غير راض بما حكم القواضب والوشيج فان يقدم فقد زرنا سمندو وان يحجم فموعدنا الخليج
ولعل في هذه الأبيات من الإشارات والدلالات ما يسمح لنا بالاستنتاج بان جيش سيف الدولة كان عازما الوصول إلى الخليج أي البوسفور وذلك من أجل الاطباق على القسطنطينية . وللأسف فان مثل هذا التقدم الجريء داخل الحدود البيزنطية كان محفوفا بالمكاره والمخاطر ، إذ ان الأمير سيف الدولة ، وقد أخذته نشوة النصر ، نسي مخاطر العودة التي سيقطع فيها مسافات طويلة في ارض الأعداء ، من دون ان يحسب حسابا لمكايد الأعداء الذين سرعان ما حاولوا التربص به وبجيشه في الطريق وسدوا عليه المنافذ - وهم الأعلم بطبيعة بلادهم - فاتصلت المعارك بين الجيشين ، واضطر سيف الدولة ان يخفف من احماله التي كانت قد أتعبت خيله وابله ، كما أحس بخطر الأسرى الكثيرين من قواد أعدائه ، وخشي انقلابهم عليه . كل ذلك جعل جيشه يفقد توازنه ، [ فتختلل ] فتختل عليه الأمور فلا يعرف إذا كان يجب ان يواجه الأعداء ويصمد امامهم وهم قد تكاثروا عليه ، أم عليه ان يفر من حوزتهم ناجيا بنفسه معرضا جيشه للهلاك . ويقال ان سيف الدولة خاطر بنفسه في تلك المعركة مخاطرة جسيمة ، حتى أن من رآه يتجشم الأهوال ظن أنه يحاول الانتحار . غير أن الصبح انجلى عن نجاته مع فريق كبير من جيشه ، على رغم الخسائر الكبيرة التي خسرها ، مما دعا المؤرخين إلى وصف تلك المعركة بأنها معركة عجيبة الشأن ، لأنها جمعت بين طرفي النقيضين : النصر المؤزر ، والهزيمة التي كادت تذهب بالأمير . ووصف لنا المتنبي هذه المعارك بوجهيها ، فقال مصورا انتصار الأمير في معاركه الأولى :
حتى أقام على ارض « خرشنة » تشقى بها الروم والصلبان والبيع للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا يطمع الطير فيهم طول أكلهم حتى تكاد على احيائهم تقع

خروج القبائل على سيف الدولة

لا نستطيع حتى اليوم ان نجزم في أن تحرك بعض القبائل التي اجتمعت في سلمية وتقدمت إلى قنسرين لتقتل والي سيف الدولة عليها العام 343 ه‍ - 954 م ، كان بوازع خارجي حرضها بعض القوى العدوة عليه ، تلك القوى التي كانت تحسب ألف حساب لقيام دولة عربية قوية في حلب الشهباء ، وحكم عربي قوي قادر على الإمساك بزمام الدولة وإعادة القرار العربي إلى ما كان عليه من القوة والمهابة . فالجزم في مثل هذه الأمور لا يخلو من الاستهتار في كثير من الأحيان . ولكننا مع ذلك نرجح حصول هذا الأمر وان لم نتوصل إلى اثباتات علمية قاطعة ، معتمدين فقط على حسنا السياسي الذي جعلنا نرى في خروج القبائل على امتداد العصور جميعا امرا لافتا ، له انعكاساته الخطيرة على سلطة الدولة وبنيتها بزعزعة كيانها وقرارها معا . وفي مطلق الأحوال ، إذا كانت القبائل التي خرجت عن طاعة سيف الدولة وعصت امره وحرضت على تفويض حكمه ، لم تصل إلى مبتغاها ، غير أنها اطمعت الطامعين في الدولة العربية الفتية ، كما انها اعاقت تلك الدولة في تقدمها السياسي والعسكري معا . انها خدمة مقصودة أو غير مقصودة قدمتها القبائل العربية العاصية للأعداء الألداء ممثلين بالصليبية البيزنطية . في روايات المؤرخين عن حرب القبائل مع سيف الدولة ان قبائل عامر بن صعصعة عقيل وقيشر والعجلان وأولاد كعب بن أبي ربيعة بن عامر وكلاب بن ربيعة ، كانت اتفقت على أن تخرج على سيف الدولة ، حينما آنست في نفسها شيئا من القوة ، وبدأت تعيث الفساد في ارض المملكة . وحين اجتمعت في سلمية وتقدمت إلى قنسرين وقتلت والي سيف الدولة عام 343 ه‍ ، خرج إليهم هذا الأخير مع ابن عمه أبي فراس الحمداني ، وظل يطاردهم ويوقع بهم في القوبر ثم في تدمر وبادية السماوة حتى استأصل شافتهم . وتضيف المصادر التاريخية ان سيف الدولة بوحي من شمائله الطيبة وشيمته الكريمة ، عفا عن حريمهم وأكرم كثيرا من الأسرى الذين وقعوا في حوزته . وخلد أبو فراس انتصارات سيف الدولة على هذه القبائل في شعره حيث انشد :
ألم ترنا أعز الناس جارا وأمنعهم وأمرعهم جنابا لنا الجبل المطل على نزار حللنا النجد منه والهضابا وقد علمت ربيعة بل نزار بانا الرأس والناس الذنابي