وضع المسعودي ثقافته الشخصية وخبرته التي اكتسبها في اجتيازه المدن وتقصي أخبارها في مجلدات ضخمة ، تضمنت اقتباسات من كتب كثيرة سابقة له ، فكان مصنفا للتواريخ ولاخبار الملوك كما كان اخباريا صاحب غرائب وملح ونوادر حسب ابن شاكر في « وفاة الوفيات » .
وأكثر مؤلفاته لم يصلنا ، بل اقتصرت معرفتنا بها على ما ذكره هو في كتابيه « مروج الذهب » و « التنبيه والاشراف » ومن تلك الكتب : كتاب ذخائر العلوم ، فنون المعارف ، نظم الجواهر في تدبير الممالك والعساكر ، الاخبار المسعوديات ، تقلب الدول ، المبادئ والتراكيب ، طب النفوس ، الرؤس السبعة ، القضايا والتجارب ، كتاب مقاتل فرسان العجم ، الزاهي . . . اما ما اشتهر من مؤلفاته فثلاثة :
1 - « اخبار الزمان » : يقع في ثلاثين جزءا لم يصلنا سوى الجزء الأول ، وفيه ذكر الأرض ومدنها وجبالها ومعادنها ، وتناول اخبار الملوك حتى العام 332 ه .
2 - « التنبيه والاشراف » : جمع فيه أصنافا متعددة من الثقافات والعلوم ، وتحدث عن الفلاسفة ، كما ضمنه صورا تاريخية وجغرافية ووصفا لكثير من الأقاليم ، وكلاما عن النجوم وفصول السنة والرياح ومصاب الأنهار ، إضافة إلى سيرة النبي وعدد غزواته ، وسير الخلفاء من بعده والملوك وأخلاقهم وكتابهم حتى العام 345 ه .
3 - « مروج الذهب ومعادن الجوهر » : بدأ بتأليفه سنة 332 ه ، وانتهى منه العام 336 ه . ويعد من أشهر كتب المسعودي على الإطلاق ، وهو عبارة عن دراسة تاريخية فريدة تضمنت اخبار البشر وما مضى من الزمان من اخبار الأنبياء والملوك والأمم ومساكنها ، مع تعريف بها ودراسة لجغرافيتها . والكتاب ليس تاريخا متعدد الحلقات ، بل مجموعة من الأحداث والاخبار رتبها بشكل موضوعي . ويمكن تقسيمه إلى جزءين كبيرين . الأول : ويبدأ به بالكلام عن دوافعه لوضع هذا المؤلف والمصادر التي اعتمدها ، خصوصا ما ورد في « اخبار الزمان » و « الكتاب الأوسط » . ثم ينتقل إلى باب هو بمثابة فهرست مفصل لمواضيع الكتاب ( 132 بابا ) . ويختم هذا الباب بالقول « . . . فهذا ما حوى الكتاب من الأبواب على أنه قد يأتي من كل باب مما ذكرناه من أنواع العلوم وفنون الاخبار والآثار ما لم تأت عليه تراجم الأبواب وهو مرتب على حسب ما قدمنا من أبوابه نفردها على سيرهم ، مما كان في عصورهم واخبار وزرائهم وما جرى من أنواع العلوم في مجالسهم ملوحين بذلك إلى ما سلف من تصنيفنا وتقدم من تاليفنا من هذه المعاني والفنون » .
اما في الجزء الثاني ، فكلام عن خلافة علي بن أبي طالب فالخلفاء الأمويين والعباسيين مع ذكر حروبهم واخبارهم حتى يصل إلى أيام الخليفة المطيع وما حدث فيها من اخبار وغزوات .
وعلاوة على هذه المؤلفات الثلاثة وضع المسعودي « الكتاب الأوسط في الاخبار على التاريخ » في الفترة بين « اخبار الزمان » و « التنبيه والاشراف » ، ولم يصلنا شيء من هذا الكتاب وتجدر الإشارة هنا إلى أن المسعودي كان ينوي إصدار كتاب يضم فنونا من الاخبار والآثار اختار له اسم « وصل المجالس » ، لكن لم يتمكن من تاليفه بسبب وفاته .
ومن خلال كتاب « مروج الذهب » يمكن التعرف جيدا إلى شخصية المسعودي ومنهجه العلمي ، وثقافته الموسوعية وأسلوبه . ولعل سبب استقراره في الفسطاط يكمن في استمرار اضطراب الحالة الداخلية في بغداد من جهة ، والهدوء والاستقرار اللذين عرفتهما مصر في تلك الفترة من جهة أخرى . الا ان ترحال المسعودي المستمر لم ينسه وطنه الأصلي العراق ، فها هو يعبر عن حنينه وشوقه لرؤيته : « وأوسط الأقاليم الإقليم الذي ولدنا به ، وان كانت الأيام انات بيننا وبينه ، وولدت في قلوبنا الحنين اليه ، إذ كان وطننا ومسقطنا وهو إقليم بابل » .
كان المسعودي متأثرا بالمحيط الذي عاش فيه ، فاضطراب الأمور دفعه إلى مغادرة موطنه في وقت كانت أعداد المسافرين والرحالة في ازدياد طلبا للعلم وللتجارة بعد اتساع أراضي الخلافة . واستمرت أسفاره خمسة وعشرين عاما جاب خلالها البلاد وتعرف على أحوال الأمم وعاداتها . وكان - حسب ما يذكر هو نفسه - موضوعيا لا يتملق الملك أو يخاف من أمير ولم يتوان عن نقد بعض الخلفاء العباسيين ووصف نقاط ضعفهم وكيف أفلتت زمام الأمور من أيديهم .
أنشأ المسعودي مدرسة جديدة في التاريخ لم يتبع فيها طريقة السرد القديمة ، بل اهتم بالتحليل التاريخي والبحث عن الدوافع . وكان الذين قبله يعتمدون الرواية عن طريق السند « حدثنا فلان عن فلان . . . » . الا ان المسعودي تفرد بذكر الاخبار والحوادث من غير سند مكتفيا بتعداد من اعتمد عليهم من الرواة والمصادر ، مسجلا لنفسه السبق في وضع نظرية النقد المقارن . وهو في هذا المجال أشاد ببعض من أخذ عنهم وانتقد الآخر .
اما المسعودي الرحالة والجغرافي ، فيظهر وصفه الدقيق للبحار والأنهار ومنابعها ومصابها ، وكذلك في كلامه عن الاطوال والاعراض ، وعن تقسيم الأرض من خلال رحلاته التي بلغت الصين ومدغشقر .
وهو حين يتناول الرحلات يتبع طريقة موضوعية اقليمية ، فيقسم الدراسات إلى مواضيع مستقلة من دون ان يهتم بتتابع اخبار رحلاته والربط بينها .
وصلت الثقة بالمسعودي إلى حد التصدي وتصحيح المعلومات الجغرافية ، فانتقد الجاحظ الذي زعم أن نهر « مران » الذي هو نهر السند من النيل ، واستدل بوجود التماسيح فيه ، فرد عليه : ان الجاحظ لم يسلك البحار ، ولا أكثر من الاسفار ولا يعرف المسالك والأمصار ، انما كان حاطب ليل ينقل من كتب الوراقين ، ويتابع مصححا : ان هذا النهر يخرج من أعالي بلاد السند ثم ينتهي إلى بلاد المنصورة ويصب في بحر الهند .
ولم يكن ترحال المسعودي الذي استمر ربع قرن الا لمشاهدة أحوال البلاد ومعالمها ، وساعده في هذا معرفته باللغات المتعددة . وإضافة إلى المعلومات الهائلة في « مروج الذهب » ، فقد نوع المؤلف فيه واتى بأخبار علمية وعادات غريبة دلت على سعة ثقافته وفضوله . وفي تناوله بعض الأخبار المميزة ، يشير إلى العلامات الدالة على وجود الماء عبر رؤية منابت القصب واللين من الحشيش في المواضع التي يشتبه بوجود الماء فيها . كما يشير إلى طريقة ثانية « من أراد علم ذلك ، فلينظر إلى النمل ، فان وجدها غلاظا سوداء ثقيلة المشي ، فعلى قدر مشيهن الماء قريب ، وإذا وجد النمل سريع المشي ، فالماء على أربعين ذراعا » .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 169
مساهمون: حسن الأمين
ص١٦٩