وإذا كان نصيب هذا الاستنتاج من الصحة يحوز على درجة كبيرة من التقدير ، غير أنه من الضروري التنبه إلى ما كان يسبق تلك المرحلة التاريخية ، إذ كانت بلاد الشام تتعرض للعديد من الهجمات التي كان يقوم بها البيزنطيون بقيادة قائدهم المعروف نقفور فوكاس وذلك قبل تزمسكيس ببضعة عشر عاما ، وهي شكلت فيما نعتقد البدايات القديمة للحروب الصليبية على المشرق العربي .
يبدو نقفور فوكاس الذي كان الند الحقيقي للأمير سيف الدولة وكأنه أول من تبنى الحرب الصليبية ونفذها ، بحيث سيطرت كما نرى على كل غزوة شنها على العرب الحمدانيين ، وعلى الأمير سيف الدولة منشئ الدولة العربية الفتية على مقربة من حدود الروم . وتظهر لنا المراجع التاريخية ان هذا القائد البيزنطي كان يمهد لفكرته الصليبية هذه في القسطنطينية نفسها ، حين كان يظهر في أعياد الفصح مرتديا ملابس غريبة مذهبة ، منتعلا نعلا مذهبا ، تشبها بالسيد المسيح كما يقول شبنغلر . وكان هذا القائد ، إذا خرج لحرب الحمدانيين ، حشد في مقدمة جيشه البطاركة والقساوسة وحمل الجنود الصلبان الكبيرة ، حتى يعطي الحرب صبغة مقدسة .
كان نقفور فوكاس ذاته يفصح في كثير من الأحيان عن الهدف الأساسي لتلك الحروب التي كان يشنها على بلاد الشام مستهدفا أولا بأول تلك المملكة العربية التي كان على رأسها سيف الدولة في حلب ، وذلك للنيل منها وتحطيمها ، لأنه كان يرى فيها عقبة كأداء تحول بينه وبين الوصول إلى الديار المقدسة .
وأشار كتاب الدكتور مصطفى الشكعة « سيف الدولة الحمداني أو مملكة السيف ودولة القلم » أيضا إلى فكرة الحروب الصليبية في جميع الأعمال العسكرية التي كان يشنها على وجه الخصوص نقفور فوكاس على الدولة العربية في زمن سيف الدولة . فهو يرى مثلا ان فكرة الحروب الصليبية كانت الرائد الجوهري لحملات نقفور ، وان ظروف تجميع جيوشه واحتوائها على تلك الأجناس المختلفة وإفصاحه عن غايته من تلك الحروب باسترداد [ بين ] بيت المقدس ، كل ذلك كان دافعا للمسلمين ان ينتبهوا إلى هذا الخطر الذي يهدد ديارهم .
كانت الرؤية واضحة تماما من جانبهم ، فنحن نلاحظ كيف بدأت النجدات والامدادات من مال ورجال تتواكب على حلب من الأمصار العربية والإسلامية ، وبخاصة من خراسان التي كانت هي وغيرها في حكم البويهين إذ سمعوا حتما بما كانت توقعه جيوش الصليبية التي كانت تعد في بيزنطية بإخوانهم في طرطوس والمصيصة ، وما كانت تعمله فيهم من قتل وتعذيب ، حتى أنها لم تتورع عن إخراجهم من دينهم وتحويلهم إلى النصرانية ، والمباشرة بنهب المساجد وحرق منابرها وامتهانها بجعلها حظائر للخيل كما ذكر مسكويه في كتابه « تجارب الأمم » . وكان من جزاء ذلك ان تنبه المسلمون إلى الاخطار الجديدة ، فتوافدت الآلاف من الجنود المسلمين من شرق الدولة الإسلامية مجهزين بسلاحهم ، وانضموا إلى جانب جيش سيف الدولة دفاعا عن أرضهم الإسلامية ودفعا للأطماع البيزنطية الصليبية البينة المعالم والحدود .
يقول الدكتور مصطفى الشكعة في تعليقه على اعمال سيف الدولة العسكرية وشدة بأسه في حروبه مع الروم : « ليس من شك انه ما من قائد أتعب الإمبراطورية البيزنطية وسقاها كئوس المرمترعة ، كما فعل سيف الدولة خلال سنوات طويلة من النصف الأول من القرن الرابع للهجرة » . ويشير إلى أنه بدأ حروبه معهم قبل تولية مملكة حلب ، وذلك منذ العام 326 ه ، ويضيف بعد ذلك قائلا « على اننا إذا ما حولنا تتبع سيف الدولة في كل غزوة من غزواته أراضي الروم ، فقد يكون ذلك من الأمور المملة التي ليس مكانها هذه الصفحات ، وانما يمكن الرجوع إليها في تاريخ ابن الأثير أو زبدة الحلب أو تجارب الأمم لمسكويه ، أو غيرها من كتب التاريخ التي تهتم بالجزئيات ، ذلك ان سيف الدولة قد قام بحوالي أربعين غزوة ضد البيزنطيين » .
ونحن إذ نضيف إلى هذه الصورة التي قدمها لنا الشكعة عن القائد العربي سيف الدولة ، ما كتبه شبنغلر عن ذلك الأمير العربي الذي لم يتهاون في حروبه مع الصليبية البيزنطية عصر ذاك ، فلكي نكون محايدين ومنصفين في وقت واحد معا في الوقوف على الحقيقة من دون زيادة أو نقصان . يقول هذا المؤرخ الغربي مثلا في كتابه عن نقفور فوكاس مشيرا إلى سيف الدولة : « والمتصفح لمقتطفات التاريخ البيزنطي في منتصف القرن العاشر ولاكثر من عشرين عاما من 945 إلى 967 م ( 334 - 356 ه ) ، يجد اسما وحيدا - واكرر ذلك - يطفو على كل صفحة من صفحات ذلك التاريخ كإنسان شجاع لا يمل ولا يكل ولا يتعب ، وكان عدوا لدودا للإمبراطورية البيزنطية ، ذلك هو أمير حلب سيف الدولة ابن حمدان الذي كان قاسيا طموحا لا يعبا باي الوسائل في سبيل الحصول على المال للإنفاق على جيوشه ، وكان يتمتع بشجاعة لا يعرف الخور إليها سبيلا » .
ويحدثنا بعض المؤرخين انه حين كان سيف الدولة مشغولا بحرب الاخشيديين لاستخلاص حلب مملكة يلي أمرها ، حام البيزنطيون ( 333 ه - 944 م ) وانتهزوها سانحة ، وأغاروا على الثغور ظنا منهم بان الأمير العربي ، كان غير قادر - كما يظنون - على الحرب في جبهتين في وقت واحد معا . ومن المفاجئ للبيزنطيين ان سيف الدولة استطاع ان يقدر عواقب الأمور بسرعة وان يحزم امره . ويقرر وقف معاركه مع الاخشيديين ، ليسارع إلى ملاقاة البيزنطيين العدو الرئيسي ، خصوصا انه كان يرى مهمته تنحصر في حماية الثغور وتامينها قبل إنشاء الملك .
ولهذا تراه يسارع فيجهز وينزل إلى ارض المعركة في بفراس ومرعش ويكمن لجيش العدو في بعض المضايق والشعاب وينزل بهم هزيمة منكرة ، ثم يعود ليثبت ركائز ملكه في حلب .
وبعد ثلاثة أعوام نرى الروم يقومون من جديد بغارة على حصن برزويه ويتمكنون منه ويملكونه . وكان هذا الحصن واحدا من الحصون المهمة في الثغور ، ولهذا ينهض سيف الدولة إلى الحصن ويستمر في حصاره مضيقا على الصليبيين فيه ، حتى يتمكن من استرداده ويثبت قوة للجيش العربي داخل موقعه . ومما يذكر في هذا المجال انه انصرف من هذا الحصن إلى ميافارقين ، ومن هناك عاد إلى حلب مارا بأنطاكية حيث التقى الشاعر العربي الكبير أبي الطيب المتنبي في حضور أبي العشائر الحمداني للمرة الأولى ، وكان ذلك العام 337 ه ، عندما أنشده قصيدته المشهورة التي تعتبر من عيون شعره ومطلعها :
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 171
مساهمون: حسن الأمين
ص١٧١