تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣

الميرزا علي أكبر طاهر زاده ( صابر الآذربايجاني ) :

شاعر وطني كبير من أبناء آذربايجان الشمالية ( القفقاس ) ويعتبر من شعراء ومؤلفي أوائل القرن الرابع عشر الهجري - وأواخر العصر القاجاري ولد عام 1862 م ( 1279 ه‍ ) في شماخي وهي مدينة تجارية قديمة في شيروان . وكان أبوه رجلا بقالا ومؤمنا ورعا تقيا ، فتربى الابن في هذه الأجواء ، ودخل في الثامنة من عمره ، ولكنه كان يتلقى الكثير من الزجر والضرب في ( الكتاب ) على يد الشيخ وفي البيت على يد أبيه وأمه . وفي سن الثانية عشرة دخل المدرسة التي أسستها جمعية باكو . وكان الشاعر السيد عظيم الشيرواني ( 1835 - 1888 م ) يشتغل آنذاك في المدرسة معلما للغات الفارسية والأذربايجانية والعربية . ولم يكن صابر يقتصر في نشاطه على دروس المدرسة ، بل كان يطالع أشعار نظامي وفضولي وغيرهما من الشعراء الإيرانيين ، ويحاول نظم الشعر ويترجم الشعر الفارسي ، ثم يعرض ما قام به على السيد عظيم الشيرواني فيسدده هذا ويقوم له ما يجب تقويمه ، ويدله على مواضع الخلل ، وهكذا نمت قدرة صابر الشعرية وازدادت رغبته في نظم الشعر . وبعد سنة أو سنتين من تعلمه للقراءة والكتابة باللغتين الفارسية والتركية ، منعه أبوه من الذهاب إلى المدرسة ، وطلب منه العمل في دكانه ، فكان تقبل هذا الأمر في غاية العسر بالنسبة لصابر ، وهو عاشق الدرس وتعلم الأدب ، فنشأ خلاف بين الأب وابنه ، مما دفع الأب إلى تمزيق دفتر أشعاره . وحتى الثانية والعشرين من عمره لم يذهب صابر إلى العمل وانما كان عاكفا في كل أوقاته على الشعر والمطالعة . وفي عام 1884 م ( 1301 ه‍ ) قام برحلة زار خلالها طهران وسمنان وبسطام وسبزوار ونيسابور ومشهد وسمرقند وبخارى وعدة مدن أخرى ، ثم سافر إلى كربلاء . وبعد عودته اقترن بفتاة من أقاربه . الا انه ابتلي بكثرة العيال ، فاضطر إلى فتح دكان لصناعة الصابون ، وعلى حد قوله : « لما لم يكن بمقدوره تطهير بواطن الناس ، لجا إلى صناعة الصابون لعله يستطيع ان يطهر ظواهرهم » . ولم يستطع الشاعر التخلص من آثار دراسته في ( الكتاتيب ) وماضيه المقترن بالخرافات والتعصب ، فكان ذلك مانعا لتفتح قريحته والتخلص من الطرق الكلاسيكية للشعر لفترة طويلة . وقد بقي ينظم القصائد والغزليات وفق الأسلوب القديم حتى أوائل القرن العشرين ، ورغم ذلك جاءت أشعاره مقترنة بالمرح والهزل وانتقاد الأوضاع . وفي عام 1906 م ( 1324 ه‍ ) أسس الميرزا جليل محمد قلي زاده أول صحيفة فكاهية باسم ( ملا نصر الدين ) ، فجمع مثقفي آذربايجان الشماية حوله ، وانضم صابر إلى هذه الجماعة الأدبية ، فنشرت أشعاره في العدد السادس ( 26 مايس عام 1906 م ) من الصحيفة . وهكذا وصلت آهاته الحزينة المنبعثة من وراء جبال القفقاس الشاهقة إلى جميع بلدان الشرق ، وهدرت في الأسواق والأزقة وأكواخ القرى وقصر الشاه - وإذ كانت فكاهيات صابر تصدر باسم مستعار أو دون اسم أحيانا ، فقد كان الناس يشعرون ان تلك الأشعار لا يمكن أن تكون الا من نظمه . من هنا أخذت اللعنات والعداوات تنهال على رأسه من كل حدب وصوب ، ممن تطالهم لذعاته الشعرية - وما أكثرهم - وإذ كانت حياته قاسية منذ البداية فإنها ازدادت قساوة بعد ذلك ، حتى عبر عنها بقوله « كنت كسجين محكوم عليه بالأشغال الشاقة » . ولم يكن يغفل لحظة واحدة عن خدمة الناس ، فكان كما عبر عنه صديقه عباس صحت بقوله : « كان حتى يوم وفاته يتقاضى أجر خدماته من ضميره الحي » . افتتح صابر عام 1908 م مدرسة في شماخي ، ولكنها لم تستمر أكثر من عام واحد ، فعاد مرة أخرى إلى أحضان الفقر والعوز . وكانت الفترة الواقعة بين عامي 1908 إلى 1910 م ( 1326 - 1328 ) قمة نتاجات صابر الأدبية . يجدر التذكر بان تيقظ الشعور السياسي في الشرق وظهور الحركات الشعبية للمظلومين في إيران وتركيا وكفاحهم المرير من أجل نيل الحرية كلها أمور تحظى بوقع طيب في نفوس أهالي آذربايجان الشمالية ( القفقاس ) التي اقتطعها الروس من إيران . ولكن بالإضافة إلى العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية العميقة بين آذربايجان الشمالية ( القفقاس ) وآذربايجان الجنوبية التي ظلت إيرانية ، فان أغلب مثقفي القفقاس هم ممن تربو في المراكز المهمة في الشرق ومن الذين يرتبطون مع الشعب الإيراني ارتباطا عرقيا وتاريخيا ومصيريا واحدا . ولا يرون أنفسهم في معزل عن إيران وشعبها . ومن هنا لم يكونوا يهتمون بمصير إيران وحسب بل كان أهم طموحاتهم وأهدافهم السياسية الكفاح ضد الرجعية والاستبداد ومساعدة الشعب الإيراني في نهضته وصحوته . ومثال ذلك الميرزا فتح علي الآخوند زاده الذي كان قدوة لأحرار إيران في السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن التاسع عشر . وقد ذكر بعض المؤرخين أنه في الأعوام الأولى من القرن العشرين ( 1319 - 1327 ه‍ ) التي تزامنت مع أوج الكفاح من أجل الحرية وإقرار حكومة المشروطة في إيران « كان عشق التقاليد الإيرانية القديمة قد بلغ في القفقاس حدا بعيدا ، بحيث قام أحد عمال القيصر بمنع أهالي آذربايجان من قراءة الشاهنامه خشية الاقتداء بابطالها : رستم وسهراب وگيو وگودرز » . على أية حال نظم الشاعر الآذربايجاني المتحرر الميرزا علي أكبر طاهر زاده الملقب ب ( صابر ) ما يقارب ثلث أشعاره في تلك الفترة ، وكانت أغلب هذه الأشعار تتحدث عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية في إيران والبلاد العثمانية . هاجر إلى باكو للحصول على عمل في أوائل عام 1910 م ( 1328 ه‍ ) بعد إخماد روح الثورة في إيران ، وهناك كان يعمل صباحا بالتدريس في بعض مدارس المناطق النفطية ، ويتعامل مع الصحف ويبعث لها بالمقالات والشعر ويشتغل في المطابع . وهكذا امضى عمره الثمين بين مخالب الفقر والعوز حتى أصيب بمرض السل في خريف عام 1910 م ثم فارق الحياة في عام 1911 م . جمعت أشعار صابر الآذربايجاني التي توزعت في صحيفة نصر الدين وغيرها من صحف القفقاس باسم ( هوپ هوپ نامه ) أي ( رسالة الهدهد ) والتي يتحدث فيها عن طبيعة الحكومة المطلقة والظلم والفساد الاجتماعي والسياسية الداخلية والخارجية للحكومة ويذكر المستبدين والمتظاهرين بالدين مثل : محمد علي الميرزا ، ظل السلطان ، سپهدار ، المير هاشم وغيرهم ، وطبعت هذه المجموعة عدة مرات في آذربايجان الشمالية ( القفقاس ) وآذربايجان الجنوبية وترجمت إلى اللغة الروسية وعدد من لغات الجمهوريات التي كان يتالف منها الاتحاد السوفياتي .