تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
وأمراء تلك النواحي . وتحدث عنه تقي الدين الكاشي في خلاصة الأشعار بقوله : « كان محققا شريف النسب ومدققا جليل الحسب ورجلا عارفا ومن أهل القلوب ، سبق بإحسانه صناديد بخارى واشتهر في ما وراء النهر شهرة واسعة بأخلاقه الحميدة وخصاله الفاضلة ، ورفع راية المفاخرة في فنون العلوم المعقولة والوقوف على العلوم المنقولة ، وكان قدوة لفضلاء عصره في هذه العلوم وخصوصا الرياضيات والتاريخ والإنشاء وفن الشعر والعروض والالغاز ، وأظهر براعة في إملاء الرسائل في هذه الفنون والعلوم » . وبفضل هذه السجايا والصفات اكتسب شهرة واسعة وحظي بسرعة بمنادمة الأمراء التيموريين وامتاز بمرتبته ومقامه الدنيوري بين الأماثل والاقران . بدأ دراسته في بخارى ، وامضى جل حياته من صباه إلى آخر حياته في طلب العلم والمطالعة والتحقيق ، وكما قيل عنه كان ملما في أغلب علوم عصره ، وكان مجلسه في أواخر حياته مرجعا لخواص أهل بخارى ، وقد تمكن الكثير ممن نهلوا من فيضه ان يصلوا إلى مراتب عالية من العلم والشهرة . ومنهم سراج الدين البساطي السمرقندي والخيالي البخاري ( م 870 ه‍ ) والخواجة رستم الخورياني ( م 834 ه‍ ) وطاهر الابيوردي الذين اضحوا من مشاهير شعراء عصرهم . جرت عادة أصحاب التراجم على تسميته ب ( عصمت ) من اسمه ( عصمة الله ) باعتبار هذا الاسم هو ما كان يعرف به في شعره ويتخلص به . والحقيقة انه تخلص بهذا الاسم في بعض شعره ، ولكن كان هذا من قبيل التكرار لعادة الكثير من الشعراء المتقدمين عليه أو المعاصرين له في استعمال القسم الأول من اسمهم المركب ( مثل أثير بدلا عن أثير الدين ونجيب بدلا عن نجيب الدين ) في أواخر أشعارهم . فقد كان لقب عصمة الله وتخلصه في أشعاره هو ( نصيري ) الذي استقاه من لقب ممدوحه الأول نصير الدين خليل حفيد تيمور . وقد تصور بعض القدماء والمعاصرين ان هذا الشاعر كان يتخلص من قصائده باسم ( نصيري ) وفي باقي أشعاره باسم ( عصمت ) . ومن هؤلاء تقي الدين الذي قال : « كان يتخلص في قصائده باسم ( نصيري ) بسبب منادمته ومصاحبته للأمير نصير الدين سلطان خليل ، بينما كان يتخلص في باقي أشعاره باسم ( عصمت ) » وذهب بعض المعاصرين إلى هذا الرأي فقال : « كان يتخلص باسم نصيري قبل تخلصه باسم عصمت » ولكن حقيقة الأمر هي ان الشاعر كان يورد اسمه في بعض قصائده تارة ويورد تخلصه ( نصيري ) في البعض الآخر تارة أخرى . بينما كان يورد في غزلياته اسمه ( عصمت ) وحسب ، كونه اقصر وأكثر تناسبا مع الغزل . والظاهر في بعض شعره ان تخلصه باسم ( نصيري ) انما كان بفعل نصير الدين سلطان خليل . وقد كان الشاعر ( نصيري ) ملازما للأخير منذ تولية السلطة . والمعروف ان تيمور حينما قصد فتح الصين عسكر في اترار ، ولكنه توفي فيها عام 807 هبعد ان عين [ حفيد ] حفيده ( پير محمد ) خليفة له . الا ان الأمراء الحاضرين في المعسكر بادروا إلى تنصيب الميرزا خليل بن جلال الدين ميران شاه ، وأجلسوه على العرش في سمرقند ، فاصطدم في بداية امره بمعارضة ابن عمه ( پير محمد ) وعمه شاه رخ ، لكنه خضع ، للأخير وأرسل له قسما من خزائن تيمور ، فاقره شاه رخ حاكما على ما وراء النهر وبقي فيها حتى عزله أمراؤه وحبسوه عام 812 ه‍ . والمعروف عن الأمير سلطان خليل انه كان شاعرا ومحبا للشعر ، وقد تتلمذ على عصمة الله في فنون الأدب ولازمه في ذلك . وبعد ان حبس هذا الأمير على أيدي أمرائه في قلعة ( شاه رخية ) التي بناها الأمير تيمور في بلاد ما وراء النهر ، خشي عصمة الله كيد العدي ، فخرج من سمرقند خائفا يترقب وبقي سنتين في ما وراء النهر حيران متواريا عن الأنظار ، حتى سار شاه رخ للقضاء على الأمراء المتمردين في ما وراء النهر ، وأطلق سلطان خليل من حبسه وجعله ملازما له ثم توجه إلى العراق ، وحينئذ عاد عصمة الله إلى ملازمة أميره وبقي في خدمته حتى وفاة الأخير في الري في شهر رجب عام 814 ه‍ ، ورافق جنازته إلى سمرقند ومنها إلى بخارى ، ثم اعتزل الناس حتى جاء عهد حكومة ألغ بيك في سمرقند فطلبه اليه وجعله ضمن ندمائه ومداحيه إلى حين ثم استجازه الشاعر في الانصراف إلى بخارى ، ومكث هناك حتى فارق الحياة . ذكر دولت شاه ان وفاته كانت عام 829 ه‍ ، وكرر تقي الدين هذا القول ، الا ان خواند مير أورد في ( حبيب السير ) مادة تاريخية تشير إلى عام وفاته يكون مجموع حروفها 840 ، وورد هذا التاريخ في مخزن الغرائب . وكان الخواجة عصمت ككثير من المعاصرين له شيعيا ، ويفهم ذلك من بعض أشعاره ، ولعل نسبه الشريف كان دافعا للاعتقاد بالمذهب الشيعي أو الميل له ، وقد ورد في بعض شعره ذكر لنسبه الذي يرجع إلى جعفر بن أبي طالب . وعلى اية حال نظم الشاعر عصمت قصائد في ذكر مناقب علي وآله ( ع ) ، على غرار الكثير من شعراء عهده . بلغت أشعار ديوان عصمت سبعة آلاف وخمسمائة بيت ، ورفعها البعض إلى عشرين ألف بيت ، وتركزت أغلب قصائد الشاعر حول حمد الله تعالى والثناء عليه وذكر مناقب الرسول ( ص ) والأئمة الأطهار ( ع ) ، ومدح خليل سلطان وشاه رخ وألغ بيك وعددا آخر من رجالات العهد التيموري وكان يحذو حذو معاصريه في تقليد قصائد الشعراء المتقدمين المعروفين ولكنه قلما كان يخضع للتصنع والتكلف المعروفين بين شعراء القرنين الثامن والتاسع ، وإلى جانب ذلك لم يكن يمتنع عن استعمال بعض التراكيب الصعبة أحيانا ، ويعود الفضل في شهرته إلى غزلياته الرقيقة ، وكتب دولت شاه بهذا الشأن : « حظيت غزليات الخواجة عصمت العاشقة وأقواله العرفانية بشهرة عظيمة في عهد السلطان شاه رخ ، بحيث نسي الناس مطالعة وملاحظة أقوال الفضلاء المتقدمين » . وفي هذا آية على شهرة الشاعر العظيمة في عصره أو السنوات القريبة من عهده . ( 1 )

علاء الدين بن محمد حسن مشكور :

ولد بمدينة قم سنة 1266 ، خبير بالتأريخ ذو اطلاع واسع ، توفي بعد سنة 1381 . له « تاريخ طهران » . ( 2 )
هامش
( 1 ) عبد الرفيع حقيقت .
( 2 ) السيد أحمد الحسيني .
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 160 | حسن الأمين