علي ففطن له وقتل وهدم البيت على صاحبه « . ( 1 ) لقد حذر ابن المقفع من التقرب إلى السلطان في عدة مناسبات في كتبه وتراجمة ورأى في هذه الصحبة مسؤولية كبيرة حيث نراه يقول في نصيحة له : « إن ابتليت بصحبة وال لا يريد صلاح رعيته فاعلم أنك قد خيرت بين خلتين ليس منهما خيار : أما ميلك مع الوالي على الرعية وهذا هلاك الدين وأما الميل مع الرعية على الوالي وهذا هلاك الدنيا ولا حيلة لك إلا الموت أو الهرب » . ( 2 ) ولعل الكثيرين استفادوا من نصائح ابن المقفع وحكمته إلا هو فلم يستفد منها حيث أدخل نفسه مدخلا صعبا مع الخليفة المنصور وواليه على البصرة سفيان المهلبي لم يستطع الخروج منه فكان مصيره الموت بتدبير من الخليفة الذي كان يقول « إن الملوك لا تحتمل القدح في الملك » ( 3 )
رأي السيد محسن الموسوي
هناك من أرجع مقتله إلى أسباب سياسية ، فقد كان ابن المقفع رجلا سياسيا معارضا للسلطة العباسية ، وعبر عن معارضته باشكال غير مباشرة في كتاباته . يقول يوسف أبو حلقة في مقدمته لكتاب « الأدب الصغير والأدب الكبير ورسالة الصحابة » : « وقراءتنا لهذه الكتب توصلنا إلى أن ابن المقفع كان ينظر إلى مثل أعلى لم يجده عند الأمويين ، كما أنه لم يقع عليه عند العباسيين . . ولكنه رآه أغلب الظن عند بعض جماعات لم يتسلموا مقاليد الحكم . ( 4 ) فمن هم يا ترى هؤلاء الذين اتخذهم ابن المقفع مثله الأعلى ؟ عند التفحص في كتابه الشهير « الأدب الصغير والأدب الكبير ورسالة الصحابة » نلاحظ تأثره البالغ بالإمام علي بن أبي طالب ع ، حتى إنه اعتاد على نقل نصوص من خطب الامام دون أن يذكر اسم الامام ، وما ذلك إلا تخفيا من السلطات العباسية التي كان يعمل موظفا لديها . وقد أشار إلى ذلك دون أن يدلي بما هو أكثر ، فذكر في الأدب الصغير : وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام ( الناس ) المحفوظ حروفا « . ( 5 ) فمن هم هؤلاء الناس يا ترى ؟ . يذكر صاحب مقدمة الكتاب يوسف أبو حلقة : فيرى ( أي ابن المقفع ) أن البناء الأول في النثر العربي الأدبي الفني كان عند أمير المؤمنين الإمام علي في نهج البلاغة . ( 6 ) كما يشير إلى ذلك ، محمد كرد علي في ترجمته لحياة ابن المقفع : وقيل إنه تخرج في البلاغة بخطب علي بن أبي طالب . ( 7 ) فهل كان الإمام علي ( ع ) هو مثله الأعلى في الحكم والسياسة ، كما هو في الأدب ؟ الأدب الصغير والأدب الكبير رسالة الصحابة « الدرة اليتيمية » ( 8 ) يحاول ابن المقفع ومن خلال كتاباته أن يرسم نظرية سياسية . فالاتجاه السياسي هو الغالب على كتاباته ، وحتى القسم الذي ترجمه من الفارسية الغالب عليه الجانب السياسي . ومن كتبه الشهيرة الأدب الصغير والأدب الكبير ورسالة الصحابة التي طبعت في كتاب واحد ، وتضمنت مجموعة نثرية جاءت في صياغتها على نسق رسائل الإمام علي ع إلى ولاته ، ووصاياه إلى أبنائه . وبالرغم من أنه لم يذكر اسم الامام في كتابه مطلقا ، إلا أنه أخذ من الامام الكثير من أقواله وخطبه . وهذه نماذج عما نقله في « الأدب الصغير والأدب الكبير » . يقول في ص 49 : ومن نصب نفسه للناس اماما في الدين فعليه بتعليم نفسه وتقديمها في السيرة والطعمة . وهي مأخوذة من كلمة الإمام علي ع ، من نصب نفسه للناس اماما فليبدأ بتعليم نفسه . ( 9 ) ويقول ابن المقفع في ص 52 : ثم على الملوك بعد ذلك تعهد عما لهم وتفقد أمورهم حتى لا يخفى عليهم إحسان محسن ولا إساءة مسيء . . . وهذا أيضا مأخوذ من الإمام علي ع ، من رسالته إلى مالك الأشتر : ولا يكن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء ، فان في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان ، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة . ( 10 ) ويقول في ص 53 : والدنيا دول ، فما كان منها لك أتاك على ضعفك ، وما كان عليك لم تدفعه بقوتك . وهي عبارات نقلها ابن المقفع من أمير المؤمنين ع : وان الدنيا دار دول ، فما كان منها لك أتاك على ضعفك ، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك . ( 11 ) وجاء في الصفحة 62 : العجب آفة العقل ، واللجاجة معقود الهوى ، وهو قريب لكلام أمير المؤمنين ع : عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله ) * . ( 12 )