بالخلافة أرسل إليه الخليفة أبا مسلم الخراساني الذي تمكن من دحره إلا أنه لم يأسره بل مكنه من الهرب إلى البصرة حيث أخوه سليمان بن علي واليا عليها منذ سنة 133 ه - 751 م . ولم يطالب به المنصور بصورة جدية إلا بعد أن تخلص من الأخطار الآنية المحيطة به مثل خطر أبي مسلم الخراساني وخطر العلويين ، ولكن سليمان بن علي ماطل في تسليمه وطالب بالأمان لأخيه عبد الله فما كان من المنصور إلا أن يعزل سليمان عن البصرة ويعين بدله سفيان بن معاوية المهلبي في رمضان سنة 139 ه - شباط 757 م . أما ابن المقفع فكان في صحبة عيسى بن علي العباسي الذي عاد لتوه من الجهاد ضد البيزنطيين في تلك السنة . ( 1 ) والظاهر أن سفيان المهلبي ، رغم الضغوط التي استعملها ، لم يستطع إخراج عبد الله بن علي من مأمنه مما اضطر الخليفة إلى الموافقة على فكرة إعطاء أمان لعبد الله الثائر . ولكن المنصور كان يريد من الأمان أن يكون وسيلة لايقاع عبد الله في الفخ وقد خطط لاعطاء أمان ضعيف يمكن نقضه عند الضرورة ولم يكن في نيته إعطاء أمان محكم ومتقن وغير مشروط . وهنا يأتي دور ابن المقفع . . . ذلك أن مخاوف سليمان وعيسى على أخيهم عبد الله دفعتهم إلى اختيار ابن المقفع كاتب عيسى بن علي لكتابة الأمان وأحكامه احكاما دقيقا لا فجوة فيه ومما زاد في الأمر ما جاء في رواية الجهشياري آنفة الذكر من اشتراط كتابة الخليفة المنصور لنص الأمان بيده . وقد وضع ابن المقفع في الأمان شروطا تجعل من عبد الله بن علي شخصا خارج سلطنة الخليفة الذي يتعهد بأن لا يطبق عليه أي عقوبة أو اجراء أصولي متبع . ولكن الخليفة اشترط حين رأى ( الأمان ) قائلا : « إذا وقعت عيني عليه » كما يقول الجهشياري أو « نافذ أن رأيت عبد الله » كما يقول البلاذري . ( 2 ) أي أن المنصور لا يعطي أمانا لعبد الله بن علي إلا إذا قابله وبغير هذه الحالة يعتبر الأمان غير نافذ . ولا يذكر الطبري واليعقوبي ( 3 ) هذا الشرط بل إنهما يؤكدان بان عبد الله حين وصل إلى البلاط كان قد حصل على الأمان . وهذا غير معقول لأنه لو حصل عبد الله على الأمان لم يكن هناك موجب له للذهاب إلى البلاط ومقابلة المنصور . هذا من جهة ومن جهة ثانية فليس من المعقول أن يعطي الخليفة أمانا غير مشروط لأن معنى ذلك إعطاء عبد الله حرية العمل دون قيد أو شرط . إن ما حدث هو أن عبد الله الذي كان قد وقع تحت تأثير اجراءات المنصور وإلحاحه وتدابير الوالي الجديد لم يجد أمامه سوى التوجه إلى الخليفة للحصول على الأمان الذي وعد به إذا ما قابل الخليفة خاصة وانه كان مطمئنا من أحكام شروط الأمان بصورة لا تسمح بالنقض . ولكن عبد الله اقتيد إلى السجن حال وصوله البلاط ولم يسمح له بمقابلة المنصور وكان ذلك سنة 139 ه - 757 م . وقد لقي اتباعه ومواليه نفس المصير ونفي بعضهم إلى خراسان . ( 4 ) وفي سنة 146 ه - [ 74 ] 754 م دبر المنصور أمر اغتيال عبد الله بن علي في ظروف غامضة . من الواضح أن ابن المقفع استطاع باحكامه لشروط الأمان أن يعرقل محاولة الخليفة إعطاء أمان متهافت يمكن نقضه في المستقبل القريب مما اضطر الخليفة أن يستعمل وسائل أخرى أكثر فاعلية وعنف للتخلص من عبد الله بن علي . . . إلا أننا نتساءل هل يمكن أن يكون الأمان السبب الوحيد لقتل ابن المقفع ؟ ؟ في اعتقادنا لا بد أن يكون هناك أسباب أخرى أكثر أهمية وهذا ما يؤيده البروفسور سورديل ولكنه يقول : « ومهما يكن من أمر فستبقى حقيقة كره المنصور لابن المقفع مجال حدس وخيال بسبب عدم توضيح المؤرخين الأوائل لها » . ( 5 ) وهنا تبرز لنا رسالة ابن المقفع الموسومة ( رسالة في الصحابة ) التي تعالج موضوعا حساسا هو أخلاقية الحكام وأصول السياسة والتدبير . وهذه الرسالة تختلف جذريا عما كتبه أو ترجمه ابن المقفع وقد جاء الكاتب فيها بأمثلة عملية عن المشاكل الرئيسية التي كانت تواجه الخلافة العباسية . وقد أكد البروفسور كويتين ، كما أشرنا إلى ذلك سابقا ، أهميتها التاريخية والسياسية خاصة وأن ابن المقفع كتبها باسمه وعنونها إلى الخليفة الأمر الذي أثار حفيظة المنصور وشكوكه . ويعترف البروفسور سورديل ( 6 ) بأهمية ( الرسالة ) ولكنه يربطها كذلك بموقف ابن المقفع السياسي وولائه لأولاد علي بن عبد الله العباسي ( أعمام الخليفة المنصور ) . ذلك أن من أهم النقاط التي تثيرها الرسالة هي الدفاع عن الأرستقراطية العربية ووجوب وضعهم في مركز القيادة في أجهزة الدولة . وسواء كان هذا المبدأ من بناة أفكار ابن المقفع أم أن أعمام المنصور قد أشاروا به عليه ( 7 ) ، وهو الأرجح ، فان هذا الاتفاق بين ارتباطه الوثيق بينهم وبين دعوته لاسهام الاشراف العرب بصورة أوسع في إدارة الدولة والاعتماد عليهم لا يمكن أن يكون عفويا خاصة وأن أعمام المنصور من بني هاشم كانوا على رأس قائمة الاشراف العرب . ولعلنا نشير هنا بان الدولة العباسية في عصرها الأول لم تحرم العرب من السلطة والنفوذ بل على العكس فقد كان العصر العباسي الأول عصر النفوذ العربي وان الخلفاء العباسيين الأوائل شجعوا كل ما هو عربي في الجيش والإدارة والثقافة إلا أن ما كان يقصده ابن المقفع هم مجموعة من العرب يعتبرون منافسين للمنصور على الخلافة وهم أعمامه وآخرين معادين للدولة . ولعل خطورة عبد الله بن علي بالنسبة للمنصور تظهر من قول الأخير لأعمامه الذين طلبوا منه الوفاء بعهده : « لا تكلموني فيه فإنه أراد أن يفسد علينا وعليكم أمرنا » . ( 8 ) بينما يدافع ابن المقفع عن أعمام الخليفة بجرأة وصراحة حيث
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 144
مساهمون: حسن الأمين
ص١٤٤
هامش
( 1 ) الطبري ، تاريخ طبعة القاهرة ج 9 ص 170 فما بعد . - البلاذري ، أنساب ، ورقة 767 أ .
( 2 ) الجهشياري ، الوزراء ، ص 71 . - البلاذري أنساب ، ورقة 767 أ .
( 3 ) يعتقد هيوارت مستندا على غموض الطبري واليعقوبي أن شروط الأمان أملاها الخليفة وقدمها لعبد الله بن علي . والواقع فان الطرف الثاني الطالب للأمان هو الذي يضع شروطه التي يريدها .
( انظر ( 1 ) . E . I ) .
( 4 ) الطبري ، تاريخ ، طبعة القاهرة ج 9 ص 172 .
( 5 ) 322 . Sourdel , Op . Cit . , P نقول هذا ما أوضحه الأستاذ الموسوي ( ح ) .
( 6 ) Ibid .
( 7 ) يعتقد جبريلي أن رسالة في الصحابة وثيقة كتبها ابن المقفع بطلب من أعمام الخليفة أولاد علي العباسي ، ( المصدر السابق ، 35 - 231 . .
( 8 ) البلاذري ، مخطوطة أنساب الأشراف ، ورقة 767 أ . بل أن المنصور يعتبر عبد الله أكثر خطورة من محمد النفس الزكية الثائر العلوي .