يذكرهم بالاسم فيقول : « ومما يذكر به أمير المؤمنين أمر فتيان أهل بيته وبني أبيه وبني علي وبني العباس فان فيهم رجالا لو متعوا بجسام الأمور والأعمال سدوا وجوها وكانوا عدة لأخرى » . ( 1 ) ويدافع ابن المقفع عن أهل الشام ( 2 ) أعداء العباسيين ويحذر المنصور منهم قائلا « فإنهم أشد الناس مئونة وأخوفهم عداوة وبائقة » ، ويحاول أن يبرر موقفهم المعادي للدولة العباسية فيشير بصراحة إلى أنهم ظلموا ولم يؤخذوا بالحق : « فلعمري لئن أخذوا بالحق ولم يؤخذوا به انهم لخلقاء إلا تكون لهم نزوات ونزقات » . ويهاجم ابن المقفع صحابة الخليفة ويعريهم ويصفهم بالفساد وضعف الرأي فيقول : « ما رأينا أعجوبة قط أعجب من هذه الصحابة ممن لا ينتهى إلى أدب ذي نباهة ولا حسب معروف ثم هو مسخوط الرأي مشهور بالفجور في أهل مصره قد غبر عامة دهره صانعا يعمل بيده ولا يعتد مع ذلك ببلاء ولا غناء إلا أنه مكنه من الأمر صاغ فانتهى إلى حيث أحب فصار يؤذن له على الخليفة قبل كثير من أبناء المهاجرين والأنصار وقبل قرابة أمير المؤمنين وأهل بيوتات العرب ويجرى عليه من الرزق الضعف مما يجرى على كثير من بني هاشم وغيرهم من سروات قريش . . . » . ( 3 ) هذا قليل من كثير أشار إليه ابن المقفع في ( رسالته في الصحابة ) ورغم أهمية ما ذكر ورغم انه بدأ رسالته بالاعتذار للمنصور عما سيقوله وانه انما أراد النصح والإصلاح حيث يقول « وفي الذي عرفنا من طريقة أمير المؤمنين ما يشجع ذا الرأي على مبادرته بالخبر فيما ظن أنه لم يبلغه إياه غيره وبالتذكير بما قد انتهى اليه . . . » ( 74 ) المصدر السابق ، ص 190 - 191 . إلا أن ذلك كله لم يشفع له بل أثار حفيظة الخليفة مثلما أثارها حين كتب الأمان لعبد الله بن علي الثائر على الخلافة العباسية . ولكن هل أن ما دونه ابن المقفع من شروط محكمة في ( الأمان ) ، وما عبر عنه من آراء في ( رسالة في الصحابة ) كان كافيا لتبرير قتله ؟ ولا بد هنا أن نشير إلى أن من مظاهر هذه الفترة التي عاش فيها ابن المقفع ظهور جماعات أو حلقات من الكتاب والشعراء والمفكرين المعجبين بالحضارة الفارسية وقيمها ، الداعين إلى اتخاذها مثلا يحتذى به في المجتمع العباسي . وبقدر ما يتعلق الأمر بابن المقفع فان أغلب كتاباته تظهر لنا صورة شخص معجب بالحضارة الفارسية حيث جعل من نفسه واعظا يبشر بقيمها ويعرف بأصولها للمعاصرين له ويدعو الدولة لتقبلها . ولعل الكثير ممن كانوا أصدقاء لابن المقفع ممن ذكرناهم سابقا من الموالي الفرس يحملون نفس النظرة أو تطرفوا أكثر منه . ان ظاهرة انتعاش الروح الفارسية والتبشير بقيمها الحضارية وأصولها لدى ابن المقفع وحلقته هي التي حملت الناس على الشك في عقيدتهم الدينية واتهامهم بالزندقة حيث يقول الجاحظ : « وكلهم متهم في دينه » . ( 4 ) لقد أدرك الخلفاء العباسيون الأوائل خطورة هذه الدعوة إلى امتثال النمط الفارسي في المجتمع والإدارة وحاولوا تقييدها وضبطها بحيث لا تؤثر على طابع الدولة العربي وقيمها الإسلامية . ولم يكن دور ابن المقفع المعادي لسياسة الدولة العباسية في هذا المجال بأقل من أدواره السابقة بل أن خطره هنا أكثر نظرا لبلاغة أسلوبه وقوة تأثيره .
الخاتمة :
لقد كان مقتل ابن المقفع نتيجة سياسة مقصودة اتبعها المنصور لحماية الخلافة العباسية ولم يكن سفيان المهلبي إلا واسطة في هذه العملية رغم انه كان متحمسا لتنفيذها بسبب العداوة الشخصية والحقد اللذين يحملهما لابن المقفع . ومما يدلل على إقرار المنصور للعملية تهديده غير المباشر لشهود الإثبات الذين جلبهم أعمام الخليفة ليدينوا سفيان المهلبي . يقول البلاذري ( 5 ) : « قالوا وشكا بنو علي بن عبد الله ما صنع سفيان بابن المقفع إلى المنصور فأمر بحمل سفيان اليه فحمل وشخص معه أهل بيته وجاء عيسى بن علي بقوم يشهدون أن ابن المقفع دخل داره فلم يخرج وصرفت دوابه وغلمانه يصرخون وينعونه ، وبآخرين يثبتون الشهادة انه قتله . فقال المنصور : أرأيتكم ان أخرجت ابن المقفع إليكم ما ذا تقولون ؟ فانكسروا عن الشهادة وكف عيسى عن الطلب بدمه » . وعلى ذلك فان فرضية زندقة ابن المقفع فرضية بعيدة الاحتمال حيث لم يكن المنصور ليهتم بآراء ابن المقفع الدينية ولا بارتباطه بالمانوية قدر اهتمامه بإخلاص ابن المقفع للخلافة العباسية نفسها . ولعل موقف المنصور من الراوندية يؤكد ما ذهبنا إليه . فحين أشير عليه أن يجد من فعالية هذه الفرقة المتطرفة في آرائها قال « دعهم يدخلون النار في طاعتنا على أن يدخلوا الجنة في معصيتنا » . ( 6 ) لقد اغتيل ابن المقفع اغتيالا سياسيا حين عزم المنصور على التخلص منه لأسباب ثلاثة : أولها : ارتباطه باعمام الخليفة المنافسين له وذلك بكتابته الأمان للثائر عبد الله بن علي . ثانيها : دفاعه عن أعداء الدولة وانتقاده سياسة الخلافة بصراحة تظهرها رسالته في الصحابة . ثالثها : دعوته لتقليد واقتباس النمط الفارسي الحضاري وهي دعوة لم تكن تتفق مع سياسة المنصور . وللجاحظ في هذا الشأن ملاحظة ذكية وبليغة يعلق فيها على مصير ابن المقفع ولكنها مختصرة جدا لا نستطيع أن نحملها أكثر من طاقتها بل نوردها حيث يقول في ( ذم أخلاق الكتاب ) : « ثم كتب لبني العباس عبد الله بن المقفع فأغرى بهم عبد الله بن