الذي يقبلها جويدي وجبريلي ( 1 ) ، كما أوردنا ذلك سابقا ، يرفضها أو يشك في صحة نسبتها كل من أحمد أمين ورشتر وعباس إقبال وداود ( 2 ) . ويرى هذا الأخير بان هذه المقالة لا يمكن أن تنسب إلى ابن المقفع لا من حيث أسلوبها الذي لا يشابه أسلوب ابن المقفع ولا من حيث تحليلها الذي لا يصل إلى مستوى منطق ابن المقفع . ثم إنه من غير المعقول أن نتصور رجلا مدركا مثل ابن المقفع يقحم نفسه في هجوم علني شديد على الإسلام وهو يعيش في مجتمع اسلامي . كما أن أسلوب الكتاب الذي نسب إلى القاسم بن إبراهيم هو من نوع النثر ذي أسلوب خاص مسجوع لم يتطور إلا بعد فترة طويلة من الفترة التي عاش فيها القاسم بن إبراهيم . وبعد هذا كله لا بد لي أن أذكر أن ابن النديم لم يذكر هذا الكتاب ضمن الكتب المؤلفة من قبل القاسم بن إبراهيم . ( 3 ) أما الفقرات الواردة في ( باب برزويه ) من الكتاب المترجم كليلة ودمنة ، فمن الواضح أنها تعود إلى فترة ما قبل إسلامه وليس لها علاقة بالفترة الإسلامية . وسواء كانت هذه الفقرات من أصل الكتاب أم من بنات أفكار ابن المقفع فإنها ليست هجوما على الإسلام وانما تشكيك بالمعتقدات الدينية عامة وليست لها صفة مانوية واضحة . وفي ذلك يقول أبو بكر الباقلاني الأشعري ( ت سنة 403 ه ) في كتاب اعجاز القرآن ( 4 ) : « وقد ادعى قوم أن ابن المقفع عارض القرآن وانما فزعوا إلى الدرة اليتيمة وهما كتابان أحدهما يتضمن حكما منقولة توجد عند حكماء كل أمة مذكورة بالفضل فليس فيها شيء بديع من لفظ ولا معنى . وكتابه الذي بيناه في الحكم منسوخ من كتاب بزرجمهر في الحكمة فأي صنع له في ذلك وأي فضيلة حازها فيما جاء به ؟ وبعد فليس يوجد له كتاب يدع مدع انه عارض فيه القرآن » . أما شعر الأحوص الذي تذكر بعض الروايات أن ابن المقفع ردده متغزلا ببيت النار فالمؤرخون الأوائل يختلفون حول المناسبة التي ردد فيها ابن المقفع هذا البيت . ( 5 ) وعلى هذا فإننا نرى بأنه من الصعب التدليل على مانوية ابن المقفع أو زندقته ، فقد دخل الإسلام في أوائل العصر العباسي وبعد إسلامه استبدل كنيته وسمى ابنه محمدا . وقد ناقش الكثير من المسائل الإسلامية فيما كتبه وخاصة في ( رسالته في الصحابة ) . ولعله يمكننا القول بان ابن المقفع كان متشككا في الدين بصورة عامة رغم اعتقاده بضرورته الاجتماعية . يقول ابن المقفع : « ولعمري أن لقولهم ليس الدين خصومة أصلا يثبته . وصدقوا ما الدين بخصومة ولو كان خصومة لكان موكولا إلى الناس يثبتونه بآرائهم وظنهم . وكل موكول إلى الناس رهينة ضياع . وما ينقم أهل البدع إلا انهم اتخذوا الدين رأيا وليس الرأي ثقة ولا حتما ولم يجاوز الرأي منزلة الشك والظن إلا قريبا ولم يبلغ أن يكون تعيينا ولا ثبتا . فلا أجد أحدا أشد استخفافا بدينه ممن اتخذ رأيه ورأي الرجال دينا مفروضا » . ( 6 ) وحين يتكلم ابن المقفع عن أقسام الملك يقول إنها ثلاثة أولها ملك الدين ويعرف هذا النوع من الحكم قائلا : « فاما ملك الدين فإنه إذا أقيم لأهله دينهم وكان دينهم هو الذي يعطيهم ما لهم ويلحق بهم الذي عليهم أرضاهم ذلك ونزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم . . . » . ( 7 ) هذه الأقوال وغيرها لابن المقفع تدل على إدراكه لأهمية الدين وكونه ضابطا مهما من ضوابط المجتمع الذي كان يعيش فيه بل إنه ضرورة اجتماعية في مجتمعات العصور الوسطى وبخاصة في مجتمع الخلافة الإسلامية حيث يمتزج الدين بالسياسة والمجتمع امتزاجا وثيقا . هذا بغض النظر عن كون ابن المقفع نفسه يؤمن بالدين أو لا يؤمن به .
إعادة التقييم :
إن المتمعن في ظروف الخلافة العباسية على عهد المنصور لا بد أن يلاحظ المرحلة السياسية الدقيقة والحرجة التي كانت تمر بها . فقد اعتورت الخلافة عدة أخطار من مختلف الجهات حيث ثار عبد الله بن علي العباسي بالشام ثم لم يلبث أن حدث الشقاق بين أبي مسلم الخراساني والخليفة وتمردت الراوندية في هاشمية الكوفة وهدد العلويون بالثورة في الحجاز ولم تكن خراسان مستقرة بل هزتها عدة اضطرابات محلية منها تمرد سنباذ وأستاذ سيز وغيرهما . ولم يكن البيت العباسي نفسه متماسكا فالفرع الحاكم ويتكون من أولاد محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس كان حذرا من بني علي بن عبد الله العباسي وهم أعمامهم . وكان هؤلاء الأعمام ( بنو علي العباسي ) حذرين لم ينسوا بعد كيف نقض أبو العباس وأبو جعفر سلسلة من الأمانات أعطيت لشخصيات سياسية كبيرة مثل يزيد بن عمر بن هبيرة آخر والي للأمويين على العراق وأبي مسلم الخراساني وأبي سلمة الخلال وغيرهم من رجالات الدعوة العباسية . ( 8 ) وحين ثار عبد الله بن علي العباسي على الخليفة المنصور مطالبا