وقبل مناقشة هذه الروايات والتثبت من صحتها نقول بان اصطلاح « الزندقة » اصطلاح غامض ومرن وقد أوضح المستشرق ماسنيون ( 46 ) مدى شمولية هذا الاصطلاح وتوسع دلالاته لدى الرواة والأخباريين المسلمين إلى درجة يصعب معها إعطاء تعريف دقيق ومحدد له . وقد لاحظ المستشرق قيدا ( 1 ) كذلك أن لاصطلاح الزندقة معان عدة في تلك الفترة حيث كان يطلق على من يؤمن بالمانوية ثم شمل كل ملحد أو مشكك بالعقيدة الإسلامية وكل من يخالف مذهب الدولة العباسية الرسمي ( 2 ) كما أطلق على المجان والخلعاء والمستهترين من شعراء أو كتاب تلك الفترة . ورغم أن الزنادقة الذين طاردتهم السلطة العباسية كانوا مانوية بالدرجة الأولى ( 3 ) إلا أن الأمر لم يقف عند هذا الحد فقد اتهم البعض بالزندقة لأسباب سياسية أو شخصية وأصبحت الزندقة تهمة تتخذ وسيلة للقضاء على الخصوم السياسيين وسبيلا للتخلص من المنافسين على المناصب . وإذا كان الأمر كذلك فمن الصعب الجزم بزندقة ابن المقفع . أما النعوت التي خاطب بها سفيان المهلبي ابن المقفع مثل « يا ابن الزنديقة » وغيرها مما ذكرناه آنفا فهو تعبير كلامي ليس إلا واستهزاء بابن المقفع على نفس الطريقة التي كان ابن المقفع يستهزئ بسفيان المهلبي . أو أنه ، كما يشير سورديل ، تعبير اثارته الطريقة التي عذب بها ابن المقفع قبل موته حيث وضع في حفرة من النورة الحارة وهي عين الطريقة التي كان يعذب بها الزنادقة المنشقين في العهد الساساني . وأكثر من هذا فلعلنا نستطيع القول بان سفيان اتهم ابن المقفع بهذه التهمة مبررا قتله وهي أسلوب غير جديد على الوالي أو ممثل السلطة العباسية حيث استعملت الزندقة وسيلة لقتل المعارضين . أما ما ذكره الخليفة المهدي حين قال : « ما وجدت كتاب زندقة قط إلا وأصله ابن المقفع » فلم يكن هذا التصريح من خليفة حكم بعد حوالي ست عشرة سنة من مقتل ابن المقفع أكثر من انطباع خامر الخليفة في حينه وليس له من التاريخية قيمة حقيقية ولا يقاس بمستوى الحكم القاطع . إلا أن صدور مثل هذا القول من خليفة عرف في التاريخ بمطاردته للزنادقة ( المانوية ) وتشديده عليهم أعطى الانطباع صورة الحقيقة والتعيين وقبلت من قبل المؤرخين المتأخرين كحقيقة تاريخية مسلم بها فوصفوا ابن المقفع بالزندقة والمانوية . أما الروايات التي تشير إلى أن زندقة ابن المقفع تعني الزرادشتية ( 4 ) فليس لها أساس من الصحة ذلك لأن الزندقة في العصر العباسي لم تشمل الزرادشتية بل على العكس فان رجال الدين الزرادشت تعاونوا مع السلطة العباسية في القضاء على المتمردين والمنشقين الفرس أمثال بها فريد وأستاذ سيس والمقنع الخراساني وغيرهم . وفيما يخص علاقة ابن المقفع ببعض الشعراء والكتاب المجان والشكاك والشعوبيين في البصرة فان الدراسات المستفيضة للعديد منهم لم تثبت زندقتهم بل أكدت براءتهم من الزندقة ( بمعنى المانوية ) وربما كان لبعضهم شك فكري ليس إلا . ( 5 ) ثم أن أغلب ما جاءنا عن من يسمون « بالزنادقة » كان في مصادر معادية لهم بصورة سافرة ولذلك لا يمكن الجزم بصحة الاخبار التي ذكرت عنهم وليس بالمستبعد أن آراءهم بدلت وحرفت أو بولغ فيها وأظهروا بمظهر يسهل التجريح به والهجوم عليه . وفيما يتعلق بمؤلفات ابن المقفع وما نسب إليه من قبل القاسم بن إبراهيم المعتزلي فالرأي مختلف حول صحة نسبة الكتاب الذي رد عليه القاسم بن إبراهيم إلى عبد الله بن المقفع . فالمعروف عن ابن المقفع أنه أديب يمتاز بأسلوب رفيع وقد ألف وترجم العديد من الكتب والرسائل . إلا أن ذلك العصر ابتلى بتقليد سيئ وهو أن ينسب الكاتب كتابه أو رسالته إلى غيره ليروجها بين الناس أو مخافة التشهير أو السلطة أو إلى غير ذلك من الأسباب . يقول الجاحظ في هذا الباب : « وربما ألف الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه فيترجمه باسم غيره ويحيله على من تقدمه في عصره مثل ابن المقفع والخليل » . ( 6 ) وإلى ذلك يشير المسعودي فيقول ( 7 ) : « . . على أن من شيم كثير من الناس الإطراء للمتقدمين وتعظيم كتب السالفين ومدح الماضي وذم الباقي وان كان في كتب المحدثين ما هو أعظم فائدة وأكثر عائدة وقد ذكر أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أنه كان يؤلف الكتاب الكثير المعاني الحسن النظم فينسبه إلى نفسه فلا يرى الأسماع تصغي اليه ولا الإرادات تيمم نحوه ثم يؤلف ما هو انقص منه مرتبة وأقل فائدة ثم ينحله إلى عبد الله بن المقفع أو سهل بن هارون أو غيرهما من المتقدمين ومن قد طارت أسماؤهم في المصنفين فيقبلون على كتبها ويسارعون إلى نسخها لا لشيء إلا لنسبتها إلى المتقدمين ولما يدخل أهل هذا العصر من حسد من هو في عصرهم ومنافسته على المناقب التي يخص بها » . من ذلك نستنتج أن الجاحظ وغيره كانوا يفخرون بنسبة بعض مؤلفاتهم إلى عبد الله بن المقفع ويتساءل البروفسور جبريلي ( 8 ) بحق عن مدى صحة آثار ابن المقفع إليه ، ويعتقد بان الأدب الكبير ورسالة في الصحابة فقط يمكن التأكد بأنهما له . أما من حيث الكتب المترجمة فمن المؤكد أن ابن المقفع ترجم كليلة ودمنة وخداى نامه وكتاب التاج وآيين نامه وكتاب مزدك إلى العربية . ويدعو المستشرق شارل بلات ( 9 ) إلى الحذر ويقول « أن هذا التزييف وهذا الوضع والافتعال يسوغ التحفظ » . والواقع فان المؤرخين المحدثين يختلفون في نسبة الكتاب أو الرسالة التي زعم القاسم بن إبراهيم انها لابن المقفع ، ففي الوقت
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 142
مساهمون: حسن الأمين
ص١٤٢
هامش
( 1 ) . ) 22 - 173 . pp 1937 , G . Vajda , Les Zindiqs en pays dIslam , R . S . O . , XVI
( 2 ) فاروق عمر ، العباسيون الأوائل . دمشق ، 1973 ج 2 ص 133 فما بعد .
( 3 ) فاروق عمر ، العباسيون الأوائل . دمشق ، 1973 ج 2 ص 133 فما بعد .
( 4 ) . 54 . p 1936 , , Chrirtensen , LIran
( 5 ) راجع :
ff 104 . pp , 1893 , . ff : J . Goldziher , Salih b . Abd al - Kaddus I . C . O 173 . G . Vajda , op . Cit . , pp .
( 6 ) الجاحظ ، رسالة في العداوة والحسد ، ص 108 .
( 7 ) المسعودي التنبيه والاشراف 1938 ، ص 66 - 67 . لقد وقع ذلك للكثير من العلماء والأدباء المشهورين مثل حنين بن إسحاق العبادي ( راجع ابن أبي أصيبعة عيون الأنباء ، بيروت 1965 ) .
( 8 ) جبريلي ، المصدر السابق ، ص 198 .
( 9 ) شارل بلات ، الجاحظ ، دمشق ، 1961 ، ( الترجمة العربية ) ص 195 .