تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١

« إن القطعة كلها بما فيها من جرأة في التفكير ومغزى تهكمي لاذع لا يمكن أن تكون قد كتبت وانتشرت باسم مؤلفها في دوائر بلاط فارس الساسانية ودينها الرسمي هو المزدكية أو في المجتمع الإسلامي في القرن الثامن الميلادي . ولكن من المحتمل جدا أن عقلا يسوده الشك والتفكير كما كان عقل ابن المقفع قد أظهر في هذه القصة آراء ناسبا إياها إلى شخص أجنبي ووسط بعيد غريب » ويضيف جبريلي ( 1 ) : « أن علينا أن نرفض أن يكون ابن المقفع وهو في سن الرجولة ( والنضج ) قد تعلق بالمجوسية وآمن بها ايمانا عقليا ولو أنه من الممكن ان يكون ابن المقفع مع ذلك يميل إلى دين الفرس القديم من ناحيتي العاطفة والحضارة » . إن جبريلي يؤكد عقيدة ابن المقفع المانوية ، وصحة نسبة ( باب برزويه ) في كليلة ودمنة اليه وكذلك الكتاب الذي رد عليه القاسم بن إبراهيم . ويقول بان ابن المقفع رد على مادة القرآن بطريقة فلسفية جدلية وببراهين عقلية أثارت الامام القاسم أيما إثارة فحملته على الرد بنفس الأسلحة التي صنعتها المعتزلة في تلك الفترة . ( 2 ) على أن جبريلي يرى أن مقتل ابن المقفع لم يكن بسبب زندقته بل إنه كان عملا انتقاميا بحتا . ( 3 ) ويستغرب المستشرق كويتين من جرأة ابن المقفع التي دفعته للكتابة ( رسالة في الصحابة ) اتي تمثل انتقادا للأوضاع السائدة في البلاط والإدارة العباسيين وإعطائه برنامجا سياسيا بديلا لما يجب أن يكون عليه الوضع السياسي والإداري . ويرى كويتين في ( الرسالة ) سببا لقتل ابن المقفع حيث يقول : « اننا لا نكون بعيدين جدا عن الحقيقة إذا افترضنا بان الرسالة مع أنها تدل على اهتمام جدي بترسيخ الخلافة ( إصلاحها ) فإنها أثارت شكوك المنصور وأدت إلى مقتل ابن المقفع » . ( 4 ) ولم يكن سفيان المهلبي ، في اعتقاد كويتين نفسه ، ليقوم بقتل ابن المقفع إلا بمعرفة الخليفة المنصور نفسه وإقراره بذلك . ويؤكد البروفسور سورديل ( 5 ) في أحدث مقالة له عن ابن المقفع على ما أشار إليه البروفسور كويتين من أنه لا يمكن اعتبار الزندقة ولا العلاقة الشخصية العدائية بين ابن المقفع وسفيان المهلبي سببا لمقتل الأول ، بل أن سفيان المهلبي لم يكن سوى وسيلة بيد الخليفة المنصور الذي كان له الدور الرئيسي في هذه المسرحية . إلا أن سورديل يختلف عن كويتين حين يربط الاغتيال بصورة غير مباشرة ( بالأمان ) الذي كتبه ابن المقفع لعبد الله بن علي عم الخليفة ، وكان ابن المقفع بكتابته للأمان قد وقف إلى جانب العناصر المعادية للخلافة . ويحاول البروفسور سورديل أن يربط بين ( الأمان ) ورسالة في الصحابة إذ أن كليهما فيما تضمناه من آراء وانتقادات يسيران في نفس الاتجاه المعادي ، من وجهة نظر الخليفة ، للدولة ( 6 ) ولذلك استقر رأي المنصور على التخلص من ابن المقفع بآية وسيلة .

نظرة نقدية للمصادر :

إن قلة النصوص التاريخية الواضحة حول آراء ابن المقفع وأسباب مقتله ربما تضطرنا أحيانا إلى التشبث بالنص وتحميله أكثر من طاقته لنتوصل إلى نتائج تاريخية حول الموضوع . ولكن هذه النتائج لم يكن بامكاننا التوصل إليها دون تمحيص وتدقيق وقراءة هادئة لما بين السطور . أ - النقد الخارجي : ليس بالإمكان ، كما فعل جبريلي ، الاعتماد كليا على مصادر متأخرة جدا بالنسبة لتاريخ ابن المقفع حيث استقى معلوماته من ابن خلكان وابن الجوزي والصفدي . وقد لاحظ البروفسور سورديل ذلك واستغل البلاذري والجهشيارى المصدرين الرئيسيين اللذين لم يتيسر لجبريلي الاعتماد عليهما . على أننا أضفنا مصادر أخرى ذات قيمة تاريخية لم تكن متيسرة لدى البروفسور سورديل وهي ( مخطوطة الفتوح ) لابن أعثم الكوفي ( ومخطوطة تاريخ الموصل ) لابن زكريا الأزدي ( ومخطوطة المقفى الكبير ) للمقريزي . وإذا كانت روايات البلاذري فيما يخص موضوع البحث الذي بين أيدينا تقتصر على الحقائق الجافة ينقلها البلاذري من رواتها بطريقة مبسطة ، فان الجهشياري ، وهو مؤرخ بارع وكاتب في الديوان متمكن يتحلى بمزايا أدبية جيدة يزودنا بروايات دسمة وواضحة . أما مخطوطة ابن أعثم الكوفي فقد لا تختلف في جوهرها عما ورد في البلاذري إلا أن هناك اختلافات في صيغ العبارات والجمل وفي نص فقرأت من كتاب الأمان . ورغم كون الأزدي يكتب في تاريخ الموصل المحلي إلا أنه يضيف معلومات لاحداث هامة وقعت في أنحاء مختلفة من الخلافة وهو ينقل نص الأمان بكامله . وقد استغل ابن خلكان [ ] والبلاذري والجهشيارى بحيث دمج واختصر ما عندهما عن ابن المقفع حسب ما رآه مناسبا ، على أن هذا الدمج شوه أحيانا ما فيهما من أخبار أو معلومات عن قصد أو دون قصد . ورغم كون المقريزي مؤرخا متأخرا كذلك الا انه مؤرخ واع وبارع وهو يعتمد فيما يخص هذه الأحداث على البلاذري وينقل عنه روايات كاملة بصورة حرفية . ب - النقد الداخلي : لا بد من التنويه إلى أن الروايات التي تشير إلى زندقة ابن المقفع تأتي غالبا من مصادر متأخرة أو أنها روايات ضعيفة لا سند لها . ومع ذلك فهي لا تتفق على أن زندقة ابن المقفع كانت سببا في قتله .
هامش
( 1 ) المصدر السابق ص 42 .
( 2 ) المصدر السابق ص 46 - 48 . - تجنب جبريلي في عناء تحديد الإضافات التي أضافها ابن المقفع إلى باب برزويه رغم قوله بان ابن المقفع هو الذي كتب الجزء الخاص بخلو معارفنا الدينية من التعيين وتناقض الأديان فيما بين بعضها البعض . وقد رد عليه كروس فرأى بأنه من المحتمل أن يكون ابن المقفع قد أدخل نصوصا جديدة من عنده في باب برزويه الا انه يعتقد بان النسخة الأصلية الفهلوية لنفس النص تتضمن أقوالا شكوكية عن الأديان جعلها ابن المقفع أساسا لما دونه من إضافات . . 1933 , 14 . P . Kraus , Zu Ibn al - Mugaffa . , R . S . O . , vol
( 3 ) المصدر السابق ، ص 52 .
( 4 ) . 122 . P , 1949 , . Gaiteim , A Tturning Point in the history , I . C
( 5 ) . 18 - 317 . D . Sourdel , La Biographie DIbn al - Mugaffa . , . , PP
( 6 ) انظر : . 188 - 176 : Zindiq ( . - Idem , la passion dal Hallag , pp ) ( 1 ) . E . L