تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠

الفرصة تلو الأخرى ويهزأ بلغة الوالي ويستفزه بتعليقاته على سلوكه وتصرفاته ولم يتورع بنعته « يا ابن المغتلمة والله ما اكتفت أمك برجال أهل العراق حتى تعدتهم إلى أهل الشام » ( 1 ) . وقد انتهز سفيان المهلبي غضب المنصور وقتل ابن المقفع بعد أن عذبه أشنع قتلة . ولكن هل يكفي ذلك دليلا قاطعا يبرر قتل عبد الله بن المقفع ؟ وهنا تعترضنا المسألة التي أثارها مؤرخون متأخرون وناقشها مؤرخون محدثون ألا وهي زندقة ابن المقفع .

هل كان ابن المقفع زنديقا ؟

في رواية للجهشياري ( 2 ) أن سفيان المهلبي حين قطع ابن المقفع إربا إربا وأحرقه كان يقول « يا ابن الزنديقة لأحرقنك بنار الدنيا قبل نار الآخرة » . وفي رواية لابن خلكان أن سفيان المهلبي قال بعد أن مثل وأحرق ابن المقفع « ليس في المثلة بك حرج لأنك زنديق قد أفسدت الناس » . ( 3 ) وحين يتكلم ابن خلكان عن الخليفة المهدي الذي اشتهر بتعقبه للزنادقة ينقل عنه أنه قال أن كل كتاب زندقة يعود في أصله إلى ابن المقفع . ( 4 ) ويقول البيروني عن ( باب برزويه ) من كتاب كليلة ودمنة الذي ترجمه ابن المقفع إلى العربية ، بان هذا الأخير كتبه وأضافه من عنده « قاصدا تشكيك ضعيفي العقائد في الدين وكسرهم في الدعوة إلى مذهب المنانية » . ( 5 ) وإذا صحت الرواية ( 6 ) التي تشير بان ابن المقفع أحرق ببئر نورة فان هذا التقليد كان متبعا في العهد الساساني لحرق المنشقين والمنحرفين عن الديانة الرسمية وإن إحراق ابن المقفع بهذه الطريقة كان عملية مقصودة الغرض منها التشهير بزندقته . ( 7 ) وتشير رواية أخرى ( 8 ) أن عبد الله بن المقفع حين مر ببيت من بيوت النار أنشد بيت الأحوص مبديا حنينه إلى ديانته القديمة :

يا بيت عاتكة الذي اتعزل حذر العدي وبه الفؤاد موكل اني لأمنحك الصدود وانني قسما إليك مع الصدود لأميل

وتظهر رواية أخرى معارضته للقرآن وقلة احترامه له وتستند على ما كتبه القاسم بن إبراهيم في كتابه الموسوم ( الرد على الزنديق اللعين ابن المقفع ) وكأنه يرد فيه على رسالة كتبها ابن المقفع أو نسبت إليه حيث ينقل فقرأت وجمل من آراء ابن المقفع في هذه الرسالة . ( 9 ) ويرى المسعودي ( 10 ) بان ابن المقفع وآخرين من الملاحدة ترجموا مؤلفات ماني وابن ديصان ومرقيون . كما وأن ابن المقفع ترجم كتاب مزدك . ويعلق الصفدي ( 11 ) « بان كتب الزنادقة الممنوعة تحوي الكثير من آراء ابن المقفع » . وبعد ذلك كله تظهر روايات عديدة اتصال ابن المقفع بحلقة الشعوبيين والمجان المتهمين بالزندقة ومنهم البقلي الذي قتل بأمر المنصور لإنكاره البعث والقيامة ، وعمارة بن حمزة الذي « أنكر عليه أبو جعفر المنصور في وقت من الأوقات شيئا ونقله إلى الكوفة » ( 12 ) وأبان اللاحقي وسهل بن هارون وحماد عجرد وغيرهم ممن كانوا يتواجدون بالبصرة . ( 13 ) وأمام هذه الروايات اختلف المؤرخون المحدثون في مواقفهم من زندقة ابن المقفع . وأول ما يبدو لنا بان اسم ابن المقفع كان قد ارتبط بتهمة الزندقة عند المسعودي وابن خلكان والبيروني والصفدي فلم يكونوا بحاجة إلى إعادة البحث والتحري عن الحقيقة المسلم بها في نظرهم . وقد انقسم المؤرخون على أنفسهم فيما يخص زندقة ابن المقفع فقد نفى محمد كرد علي وخليل مردم هذه التهمة عن ابن المقفع ( 14 ) ، أما الدكتور البصير فيقول أن الزندقة تهمة لفقتها السلطة العباسية على ابن المقفع ويرى في الزندقة « ذلك الستار البراق الذي يسدله ولاة الأمور في صدر الدولة العباسية على كل جريمة يحلو لهم اقترافها » . ( 15 ) ويشك عباس إقبال في صحة نسبة الكتاب الذي رد عليه القاسم بن إبراهيم لابن المقفع لأنه لا يتفق مع الآراء المدونة في باب برزويه التي دونها ابن المقفع ذاته . ( 16 ) بينما أكد شوقي ضيف زندقة ابن المقفع . ( 17 ) وبين المستشرقين عزا هيوارث مقتل ابن المقفع إلى عامل الانتقام من قبل سفيان المهلبي إضافة إلى ما كان يدين به من آراء . ( 18 ) أما نيبرك قيرى أن اتهام ابن المقفع بالزندقة كانت الباعث الحقيقي لقتله . ويشير جويدي إلى أنه « كان قليل الاحترام للقرآن الذي حاول أن يعارضه . . . » . ( 19 ) أما جبريلي وهو أفضل من توسع بعمق حول كتابات ابن المقفع وآرائه فقد أشار إلى أن الفقرات التي تنتقد الدين في ( باب برزويه ) هي من وضع ابن المقفع الذي حشرها دون أن يسفر بوضوح عن عقيدته الالحادية . يقول جبريلي ( 20 )

هامش
( 1 ) الجهشياري ، الوزراء والكتاب ، ص 71 - 72 . - ابن أعثم الكوفي ، الفتوح ، ورقة 238 أ .
( 2 ) الجهشياري ، المصدر السابق ، ص 73 .
( 3 ) ابن خلكان ، المصدر السابق ، طبعة وتسنفلد ، ج 2 ص 126 .
( 4 ) المصدر السابق ، ج 2 ص 125 .
( 5 ) البيروني ، تحقيق ما للهند من مقولة ، ليبزك ، ص 76 .
( 6 ) البلاذري ، مخطوطة أنساب الأشراف ، ورقة 535 .
( 7 ) راجع : D . Sourdel , La Bibliographie DIbn al - Mugaffa
( 8 ) أمالي المرتضى ، ج 1 ص 135 . - البغدادي ، خزانة الأدب ، ج 3 ص 459 .
( 9 ) القاسم بن إبراهيم بن طباطبا ، الرد ، نشر جويدي سنة 1927 ، ص 8 .
( 10 ) المسعودي ، مروج الذهب ، ج 4 ص 242 .
( 11 ) . F . Gabrieli , Le opera dIbn al - Mugaffa ; E . S . O . XIII راجع ترجمتها العربية في عبد الرحمن بدوي ، ص 43 .
( 12 ) الجهشياري ، ص 75 .
( 13 ) عن هذه الشخصيات راجع الأصفهاني ، الأغاني ( الفهرست ) .
( 14 ) محمد كرد علي ، رسائل البلغاء ، ص 8 . - خليل مردم ، ابن المقفع دمشق 1930 ص 52 فما بعد .
( 15 ) البصير ، في الأدب العباسي ، بغداد 1955 ص 10 .
( 16 ) عباس إقبال ، شرح حال عبد الله بن المقفع ( بالفارسية ) ص 19 فما بعد .
( 17 ) شوقي ضيف . تاريخ الأدب العربي ج 3 ص 509 .
( 18 ) . 432 . p 1929 , Nyberg , Der Kampf Zwischen Islam . , . , OLZ
( 19 ) انظر مقدمة جويدي : . Guidi , La letta tra IIslam eil Manicheism
( 20 ) جبريلي ، المصدر السابق ( الترجمة العربية ) ص 45 .