علي والي البصرة حتى عزل هذا الأخير عن الولاية وعين الخليفة المنصور بدله سفيان بن معاوية المهلبي واليا على البصرة الذي ، كما تؤكد رواياتنا التاريخية ، قتل ابن المقفع قتلة شنيعة سنة 142 ه - 760 م . ( 1 ) وإذا كان رواتنا يتفقون في تشخيص القاتل فإنهم يختلفون في سبب القتل والباعث له والمحرض عليه . فالبلاذري يقول بان المنصور ( 136 ه 158 ه ) عين سفيان بن معاوية المهلبي واليا على البصرة وكان بنو علي العباسي أعمام الخليفة قد طلبوا من ابن المقفع أن يكتب لهم نص الأمان الذي سيمنحه الخليفة لعمه الثائر عبد الله بن علي وقد وضع ابن المقفع في الأمان الشرط الشديد التالي : « فإن لم يف أمير المؤمنين عما جعل له فهو بريء من الله ورسوله والأمة في حل وسعة من خلعه » . ويمضي البلاذري فيقول بان ابن المقفع هذا كان يستهزئ من الوالي سفيان المهلبي ويتسقط عيوبه اللغوية ومثالبه الشخصية وينعته بنعوت تهكمية مما جعل المهلبي يكرهه كرها شديدا . وقد أعطته هذه الحادثة فرصة ثمينة لقتله حين دعا المنصور إلى التخلص من عبد الله بن المقفع . وقد ربط ابن المقفع ربطا محكما ثم ألقي في تنور حار فاحترق وهو يصرخ « يا أعوان الظلمة . . . » . ( 2 ) ويشير الجهشيارى ( 3 ) إلى أن المنصور عين سفيان المهلبي واليا على البصرة وأمره بالضغط على أعمامه العباسيين بضرورة تسليم عبد الله بن علي الثائر الهارب إلى البصرة وعندئذ طلب عيسى بن علي من ابن المقفع أن : « يعمل نسخة الأمان فعملها ووكدها واحترس من كل تأويل يجوز أن يقع عليه فيها وترددت بين أبي جعفر ( المنصور ) وبينهم في النسخة كتب إلي ان استقرت على ما أرادوا من الاحتياط ولم يتهيأ لأبي جعفر اتباع حيلته فيها لفرط احتياط ابن المقفع وكان الذي شق على أبي جعفر أن قال في النسخة يوقع بخطه في أسفل الأمان . . . وكتبت بخطي ولا نية لي سواه ولا يقبل الله مني إلا إياه والوفاء به » . ويقول اليعقوبي ( ت 284 ه ) عن الأمان : ( 4 ) « ثم طلب ( عبد الله بن علي ) الأمان فكتبه له أبو جعفر على نسخة وضعها ابن المقفع بأغلظ العهود والمواثيق لا ينال بمكروه وان لا يحتال عليه في ذلك بحيلة . وكان في الأمان ( فان أنا فعلت أو دسست فالمسلمون براء من بيعتي وفي حل من الايمان والعهود التي أخذتها عليهم ) فلما وقف أبو جعفر على هذا قال من كتبه ؟ قيل ابن المقفع فكان ذلك سببا لميتة ابن المقفع » . ويشير ابن أعثم الكوفي إلى سببين في مقتل ابن المقفع الأمان والعداوة الشخصية بينه وبين سفيان المهلبي فيقول : « وكتب سليمان ( بن علي ) إلى المنصور يسأله أن يعطي عبد الله أمانا فأجابه إلى ذلك فقال عيسى بن علي لكاتبه عبد الله بن المقفع أحب أن تكتب له أمانا مؤكدا فكتب كتابا لا يكون لأحد مثله واستقصى فيه غاية الاستقصاء . فلما ورد الكتاب بالأمان على أمير المؤمنين نظر فيه فشق ذلك عليه لأنه كان مغتاظا على عبد الله بن علي وأراد قتله . فقال من كتب هذا ؟ ثم قال : أما لنا من يكفينا ابن المقفع ويريحنا منه ؟ وبلغت هذه الكلمة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وهو بالبصرة من قبل المنصور فعزم على قتل ابن المقفع » . ( 5 ) وتحت عنوان ذكر مقتل ابن المقفع يقول ابن أعثم مرة أخرى : « قال المدائني كان السبب في مقتله أن سفيان المهلبي ربما حضر إلى الديوان بالبصرة فتقع المسألة بعد المسألة فيلقيها ابن المقفع على سفيان بن معاوية فإذا لم يفهمها يقول له ابن المقفع وقعت والله يا مهلبي . قال فغضب المهلبي ذات يوم فشتم ابن المقفع . . . فقال له ابن المقفع ( والله ما رضيت أمك برجال العراق حتى تزوجت برجال أهل الشام ) وحقد عليه سفيان . ثم ذات يوم أرسله عيسى ( بن علي ) إلى سفيان في حاجة فقال ابن المقفع أخاف على نفسي فقال له : تخاف على نفسك وأنا حي فأخذه سفيان وقطع يده ورجله ورماه بالتنور ولم يكن هناك بينة عليهم » . ( 6 ) أما الأزدي ( ت 334 ه ) في تاريخ الموصل فلا يشير إلى أن كاتب الأمان هو ابن المقفع بل يقول : « في سنة 128 هقدم سليمان بن علي من البصرة على أبي جعفر وأخذ عليه لأخيه عبد الله بن علي الأمان فأعطاه أبو جعفر كلما التمس له من ذلك وكتب له كتابا أشهد فيه على نفسه وحلف بما تضمنه » . وبعد أن يسرد نص الأمان بالتفصيل يقول : « فقدم عبد الله بن علي على أبي جعفر بهذا الأمان بعد أن حلف به وأشهد به على نفسه فلما دخل إليه حبسه » . ( 7 ) ويقول المقريزي عن ابن المقفع أنه كتب أمانا « تعدى فيه ما يكتبه الخلفاء من الأمانات » ويعتمد في بقية النص على البلاذري . وشان ابن خلكان ( ت 681 ه ) كشان المقريزي حيث يعتمد فيما يخص بحثنا على روايات من سبقه من المؤرخين ويدمج بينها محاولا أن يعطي صورة متكاملة بطريقة مختصرة وليس فيما أورده عن ابن المقفع شيء جديد عما ورد في البلاذري والجهشياري . ( 8 ) ان معظم الروايات التاريخية التي أشرنا إليها تتفق ، رغم اختلاف أسلوبها أو طريقة عرضها وتصويرها للأحداث ، على الطريقة التي انتهت بها حياة ابن المقفع . ويظهر منها أن ابن المقفع لم يكن له علاقة طيبة بسفيان المهلبي والي البصرة الذي خلف سليمان بن علي . وان العداوة بين سفيان وابن المقفع قديمة تعود إلى أواخر العهد الأموي حين كان سفيان المهلبي واليا على نيسابور ، وكان عبد الله بن المقفع ينتهز
مستدركات أعيان الشيعة — صفحة 139
مساهمون: حسن الأمين
ص١٣٩
هامش
( 1 ) تختلف الروايات في سنة اغتيال ابن المقفع بين 142 هو 143 هوالأولى أصح .
( 2 ) البلاذري ، المصدر السابق ، 319 أ - 319 ب .
( 3 ) الجهشياري ، الوزراء والكتاب ، ص 71 .
( 4 ) اليعقوبي ، التاريخ ، النجف 1964 ج 3 ص 108 .
( 5 ) ابن أعثم الكوفي ، مخطوطة الفتوح ، إستانبول ، ورقة 238 ب .
( 6 ) المصدر السابق ص 238 ب - 239 ب .
( 7 ) أبو زكريا الأزدي ، تاريخ الموصل ، القاهرة 1967 . ص 167 - 168 عن أحمد بن الحارث الخزاز ، ص 170 .
( 8 ) المقريزي ، مخطوطة المقفى الكبير ، المكتبة الوطنية بباريس ، ورقة 243 ب .
- ابن خلكان ، وفيات الأعيان ، طبعة القاهرة ، 1948 ج 2 ص 396 فما بعد .