« وكان منزله البصرة وكان حريصا على تهذيب عبد الله ابنه يجمع إليه الأدباء ويأخذه بمشاهدة مجالسهم وألزمه أبا الغول الاعرابي وأبا الجاموس وكانا فصيحين » . ( 1 ) لقد كان من أهم مستلزمات الكاتب في الديوان أن يتقن العربية وعلومها . وقد استطاع عبد الله بن المقفع أن يدخل في الإدارة الأموية بجدارة وأصبح كاتبا لوالي نيسابور المسيح بن الحواري الذي عينه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز على نيسابور سنة 126 ه - 743 م . إلا أن عبد الله بن المقفع لم يكن مجرد كاتب للوالي بل لعب دورا سياسيا بارزا كذلك فقد حدث أن عزل المسيح عن منصبه وحل محله سفيان بن معاوية المهلبي ولكن ابن المقفع حاول بدهاء أن يثبت المسيح في مركزه حيث يشير الجهشياري : « إن ابن المقفع احتال على سفيان وعلله حتى استعد المسيح وكاتب الأكراد وجمع أطرافه وقوي أمره فلما استظهر امتنع على سفيان » . ( 2 ) ولكن الأمر لم يدم طويلا فقد استطاع الوالي الجديد الذي تدعمه السلطة من الاستيلاء على الإقليم وطرد المسيح بن الحواري سنة 129 ه - 746 م والسيطرة على الأمور ، وبقي سفيان المهلبي يحقد بشدة على ابن المقفع وكان لذلك آثاره السيئة على العلاقة بينهما في المستقبل . انتقل عبد الله بن المقفع من نيسابور إلى كرمان وأصبح كاتبا لداود بن يزيد بن هبيرة سنة 130 - 131 ه - 748 م كما يشير إلى ذلك الجهشياري ، أما البلاذري فيقول بان ابن المقفع عمل كاتبا لعامر بن ضبارة في كرمان . ( 3 ) وكان ابن ضبارة هذا قائدا للجيش الذي أرسله يزيد بن عمر بن هبيرة ضد الثوار الخوارج وضد عبد الله بن معاوية الطالبي . ولعل ابن المقفع عمل في معية الرجلين داود بن يزيد وعامر بن ضبارة في فترات متقاربة ، على أن المهم ما يشير إليه البلاذري من أنه انتفع من عمله فيقول : « كانت لعبد الله بن المقفع حال جميلة وغلة تأتيه من فارس كافية وكانت له مروج تقاد اليه منها البراذين والبغال فيهديها ويحمل عليها » . ويؤكد هذا القول الجهشيارى حين يقول بان ابن المقفع « أفاد معه مالا » أي انتفع من عمله في كرمان . لم يتبع عبد الله بن المقفع القواد الأمويين المنهزمين أمام الجيوش العباسية بل انسحب منهم ببراعة ووجد له مكانا في البصرة في معية العباسيين حيث نشاهده فجاة مع أولاد علي بن عبد الله بن العباس أعمام الخلفاء العباسيين أبي العباس والمنصور . وكان أبو العباس قد عين أحد أعمامه سليمان بن علي ( 4 ) واليا على البصرة .
ابن المقفع والدولة العباسية الجديدة
يعتبر ابن المقفع من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية فقد شهد انتقال السلطة من الأمويين إلى العباسيين وبسبب تواجده في فارس وعمله في دواوين الدولة الأموية ومع ولاتها فقد تحسس عن قرب بالأحداث الجسيمة التي وقعت في الطرف الشرقي من الدولة والتي أدت إلى سقوط الأمويين . ولعل ابن المقفع قد أدرك بثاقب بصيرته ورهافة إحساسه وبعد نظره السياسي أن لا فائدة ترتجى من الالتزام بالولاء للأمويين ومكث في البصرة يراقب الأحداث عن كثب ثم قرر الارتباط بأولاد علي بن عبد الله العباسي وأصبح كاتبا ( 5 ) لعيسى بن علي العباسي عم الخليفة أبي العباس . والمعروف عن البصرة في تلك الفترة انها عثمانية لا تدين بالولاء لفريق من الفرقاء المتنازعين وربما أمكننا تسميتها بالمحايدة . ( 6 ) ولعل هذه الصفة صفة الحياد جذبت إليها عددا كبيرا من الشخصيات الأموية أو المعروفة بولائها للأمويين هذا إضافة إلى أن سياسة الوالي العباسي سليمان بن علي المرنة المتسامحة جعلت من البصرة ملجئا أمينا للعناصر المناوئة للدولة الجديدة . وفي البصرة استطاع عبد الله بن المقفع أن يعقد صداقات وطيدة مع شخصيات بارزة مثل سلم بن قتيبة الباهلي والي الأمويين السابق على البصرة ومعن بن زائدة الشيباني القائد الأموي الشهير ، كما تقرب إلى عمارة بن حمزة مولى الخليفة العباسي أبى العباس والقاضي ابن أبي ليلى والقاضي ابن شبرمة . ( 7 ) هذا عدا ما ذكرناه عن صلته القريبة باعمام الخليفة أولاد علي العباسي وخاصة عيسى وسليمان . إن هذه الارتباطات والصداقات مع شخصيات من العهد القديم وشخصيات أخرى من الدولة الجديدة تعطى أكثر من دليل إلى براعة ابن المقفع وقوة شخصيته ودماثة خلقه . وفي هذه المرحلة من حياته اعتنق ابن المقفع الإسلام حيث تشير رواية البلاذري انه حين قرر الدخول في الإسلام فاتح عيسى بن علي قائلا : « اني أريد الإسلام فقد خامر قلبي حبه وكرهت المجوسية فقال له إذا أصبحنا جمعت أخوتي ووجوها من وجوه الناس فشهدوا إسلامك وحضر عشاء عيسى فدعاه ليأكل فامتنع فعزم عليه وكان نظيفا حسن المواكلة فلم يدن من الطعام إلا على زمزمة فقيل لا تزمزم وأنت على الإسلام غدا فقال إني أكره أن أبيت على غير دين فلما أصبح أسلم » . ( 8 )