شرح
بها الوفاء الواجب فإنّ المتعلّق للحكم في مرحلة الجعل والتشريع نفس طبيعة
الفعل لا وجوده الخارجي ، بل وجوده الخارجي مسقط للحكم ، فإذا كان بين
الفعلين عموم من وجه كالصلاة والتصرّف في أرض الغير مثلا لم يكن بين
الحكمين تزاحم في هذه المرحلة والمكلّف يقدر على التفكيك في مرحلة
الامتثال ، فلا وجه لتقييد أحدهما بعدم الآخر في مرحلة الجعل والتشريع بعد عدم
تقيّد الملاك فإنّه جزاف .
وأمّا الموضوع للحكم فهو عبارة عن الموجود الخارجي الذي يتعلّق به فعل
المكلّف ، فالملحوظ في مرحلة الجعل وإن كان هي الطبيعة لكنّها جعلت مرآتاً
لوجوداتها الخارجيّة ، وكلّ فرد منها بعد وجوده في الخارج يصير محطّاً لحكم
الشرع فإذا فرض كون وجوده متحداً مع عنوان محرّم مبغوض فلا محالة يتزاحم
الملاكان ويكون الحكم تابعاً لأقواهما ملاكاً ولازم ذلك التخصيص في دليل
الآخر لبّاً . وهذا نظير قوله : " أكرم العلماء " وقوله : " لا تكرم الفسّاق " حيث
يتزاحم الملاكان ثبوتاً فيكون الحكم في مرحلة الجعل تابعاً لأقواهما ويتصرّف
في دليل الآخر فتدبّر .
هذا كلّه فيما يرتبط بكلام المحقّق الشيرازي في المقام ، وقد كان محصّل
كلامه نحو تفصيل في الصور الثلاث كما مرّ . ومرّ منّا أيضاً ما يقتضيه القاعدة فيها .
ولكن يظهر من المصنّف الحكم بالفساد في الجميع ، إذ حكم في الأوليين
بكونهما رشوة وقوّى الفساد في الأخيرة أيضاً . ويمكن أن يوجّه كلامه بأنّ الملاك
في صدق الرشوة حكم العرف لا الدقائق الفلسفيّة ، وهم لا يفرّقون في ذلك بين
جعل الحكم للراشي عوضاً عمّا يعطى ، أو شرطاً في ضمن العقد ، أو كان بنحو
الداعي ، فكلّ مال يعطى للقاضي لأن يحكم له بحيث لا يعطى لولاه فهو عندهم
رشوة .