شرح
وناقش في ذلك المحقق الشيرازي في حاشيته بما ملخّصه : " يمكن أن يقال : إنّه ولو
سلّم الاختصاص المزبور لكن ما دلّ على عدم جواز بيع الميتة وأنّ ثمنها سحت لا
اختصاص لها بما يحرم الانتفاع به ولا دليل على اختصاصها بالنجسة مع الإطلاق
المقتضي للعموم . ودعوى الانصراف إلى خصوص النجسة يمكن منعها ، لكثرة الميتات
الطاهرة من السموك وغيرها ، مضافاً إلى منع كون القلّة موجباً للانصراف . " ( 1 )
أقول : يمكن أن تؤيد المناقشة المذكورة بوجهين آخرين : الأوّل : الاستدلال بالنبوي
المشهور : " إنّ اللّه - تعالى - إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه . " ( 2 )
الثّاني : أنّ البيع المذكور مظنّة الإعانة على الإثم لاحتمال أن تصرف الميتة المشتراة
في الأكل ونحوه من المصارف المحرّمة ، فالمناسب تحريم بيعها حسماً لمادّة الفساد .
هذا .
ولكن مع ذلك كلّه لا نفتي بحرمة المعاوضة وفسادها بعد جواز الانتفاع بها ولو
بمقتضى أصالة الحلّ . وقد مرّ منّا في الميتات النجسة أيضاً اختيار جواز الانتفاع بها في
غير الأكل ونحوه ، وبه أفتى كثير من الأصحاب ، وكذا جواز بيعها بقصد الانتفاعات
المحلّلة ، ومنعنا صدق الإعانة على الإثم حتّى مع العلم بصرف المشتري إياها في الحرام
ما لم يقع البيع بهذا الداعي ، إذ وزانه حينئذ وزان بيع العنب ممن يعلم أنّه يجعله خمراً ،
وقد وردت روايات صحيحة على جوازه وصحّته كما سيجيء في محلّه .
وإذا كان هذا حكم الميتات النجسة ففي الطاهرة الّتي حلّ الانتفاع بها جاز البيع
بطريق أولى ، إذ بعد ما حلّ الانتفاع بها صارت بذلك مالا يرغب فيه ، وليست المعاملات
أموراً تعبديّة صرفة أبدعها الشرع لمصالح سرّية لا يعلمها إلاّ اللّه - تعالى - نظير الصلاة
والحج ونحوهما ، بل هي أمور عقلائية اخترعوها بينهم لتبادل الأعيان والمنافع حسب
هامش
1 - حاشية المكاسب / 12 .
2 - سنن أبي داود 2 / 251 ، كتاب الإجارة ، باب في ثمن الخمر والميتة .