شرح
وقد طال الكلام في نقل الكلمات . ويظهر منها اتّفاق فقهاء الفريقين على بطلان بيع
العذرة بالمعنى الأعمّ إجمالاً . وظاهرهم كونه من جهة النجاسة المحضة وأنّ النجاسة
عندهم موضوع مستقلّ لمنع المعاملة في قبال عدم المنفعة ، وقد صرّح بهذا التعميم
الشهيد فيما مرّ من عبارة المسالك .
مع أنّ الانتفاع بها في التسميد كان شائعاً في جميع الأعصار ، والتسميد بنفسه منفعة
مهمّة عقلائية . وعن قرب الإسناد عن السندي بن محمد ، عن أبي البختري ، عن جعفر بن
محمد ، عن أبيه ، عن عليّ ( عليه السلام ) : " أنّه كان لا يرى بأساً أن يطرح في المزارع العذرة . " ( 1 ) وفي
أعصارنا ينتفع بها انتفاعات واسعة ويستخرج منها موادّ كيمياوية نافعة . فهل يمكن مع
ذلك القول بحرمة جميع هذه الانتفاعات مع استقرار السيرة عليها ، أو القول بجواز
الانتفاع وحرمة المعاملة عليها ، مع وضوح أنّ المعاملات شرّعت لرفع الحاجات وتبادل
الأعيان النافعة ، والشريعة السّمحة الجامعة الباقية إلى يوم القيام لا تريد إلاّ مصالح العباد ؟
فماذا نقول في هذا المجال ؟
وقد ورد في الرواية الّتي رواها المفضّل عن الصادق ( عليه السلام ) في التوحيد ما يدلّ على
موقع العذرات في الزراعات ; فلنذكرها ، إذ لها قيمة تاريخية وإن لم تثبت من جهة السند .
قال : " فاعتبر بما ترى من ضروب المآرب في صغير الخلق وكبيره ، وبماله قيمة وما لا
قيمة له . وأخسّ من هذا وأحقره الزبل والعذرة الّتي اجتمعت فيها الخساسة والنجاسة
معاً ، وموقعها من الزروع والبقول والخضر أجمع الموقع الّذي لا يعد له شيء حتّى إنّ كلّ
شيء من الخضر لا يصلح ولا يزكو إلا بالزّبل والسّماد الّذي يستقذره الناس ويكرهون
الدنوّ منه .
هامش
1 - الوسائل 16 / 358 ( [ 1 ] ط . أخرى 16 / 435 ) ، الباب 29 من أبواب الأطعمة المحرمة ،
الحديث 1 .