شرح
نظر الملك حدوثا وبقاء ، فالنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله سفير اللَّه تعالى إلى خلقه فلا بد وأن يكون مربوطا بعالم الغيب ، وأن يكون له على ذلك الارتباط دلالة وعلامة وهي تسمّى بالمعجزة ، فهي وسام وشارة إلهية يمنحها اللَّه تعالى لسفرائه الخاصين به بحسب مراتبهم . هذا إجمال ما لا بد وأن يفصّل في غير المقام .
وأما الخلافة عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فالشقوق المتصوّرة فيها خمسة .
الأول : أن يكون التقمص بها فوضى بين البشر بحيث كلّ من تغلب على الأمر بأيّ نحو كان ، وعلى أيّ صفة فيه فهو خليفة اللَّه في أرضه وله الوصاية عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله والولاية على الأمة ، فتكون خلافة النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فوضوية بشتّى أنحائها وأسبابها المختلفة من الجلية والخفية من أنحاء المكر والحيلة والشيطنة ونحو ذلك . وهذا القسم باطل بإجماع جميع الشرائع الإلهية بل جميع العقلاء بالنسبة إلى الديانات السماوية ، ويحكم ببطلانه كلّ ذي فطرة سليمة .
الثاني : أن تكون باختيار الخلق فقط ، بأن يجتمع جمع ويتفقوا على شخص وينصبوه خليفة على المسلمين بلا إضافة إلى اللَّه تعالى ولا جعل وتعيين منه عزّ وجلّ . نعم ، يكون مورد رضائه وقضائه وقدره وإرادته جل جلاله . وهذا باطل من وجوه :
( أولا ) : خلافة النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله إبقاء لشريعته بحدودها وقيودها وحفظ للوحي السماوي النازل لتأسيس نظام بشري دينا ودنيا وآخرة ، بل جميع النشآت التي تمر عليه . ولا ريب عند كلّ عاقل أنّ الاهتمام بالبقاء والإبقاء لا بد وأن يكون أهم من أصل الحدوث فيما هو مبنيّ على الدوام إلى يوم القيامة خصوصا في مثل هذا الأمر الذي له الزعامة الكبرى - التي تسفك لأجلها الدماء وتستباح الأنفس والأعراض والأموال ، والعيان يغني عن البيان - فكيف يعقل أن يدع اللَّه عزّ وجلّ هذا الأمر العظيم إلى الخلق مع تشتت آرائهم وأهوائهم وأغراضهم ، لا سيّما مع سبقهم بالجاهلية الجهلاء .
( وثانيا ) : إنّه من المعلوم أنّ ربنا العليم الحكيم الذي لم يدع شيئا من الأحكام الجزئية إلا وأوحاه إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وألهمه حتّى أرش