تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥

عوضا عمّا ظلمه به ، وقد حكي عن ابن الجلاء أنّ بعض إخوانه اغتابه ثمّ أرسل إليه يستحلَّه فقال : لا أفعل ، ليس في صحيفتي حسنة أفضل منها فكيف أمحوها . وقال هو وغيره : ذنوب إخواني من حسناتي أريد أن أزيّن بها صحيفتي فهذا ما أردنا أن نذكره من اختلاف العباد في المعاد في درجات السعادة والشقاوة وكلّ ذلك حكم بظاهر الأسباب يضاهي حكم الطبيب على مريض بأنّه يموت لا محالة ولا يقبل العلاج وعلى مريض آخر بأنّ عارضته خفيفه وعلاجه هيّن فإنّ ذلك ظنّ يصيب في أكثر الأحوال ولكن قد تتوق إلى المشرف على الهلاك نفسه من حيث لا يشعر الطبيب وقد يساق إلى ذي العارض الخفيف أجله من حيث لا يطَّلع عليه وذلك من أسرار اللَّه تعالى الخفيّة في أرواح الأحياء وغموض الأسباب الَّتي رتّبها مسبّب الأسباب بقدر معلوم إذ ليس في قوّة البشر الوقوف على كنهها فكذلك النجاة والفوز في الآخرة لهما أسباب خفيّة ليس في قوّة البشر الاطَّلاع عليها يعبّر عن ذلك السبب الخفيّ المفضي إلى النجاة بالعفو والرّضا وعمّا يفضي إلى الهلاك بالغضب والانتقام ووراء ذلك سرّ المشيّة الأزليّة الَّتي لا يطَّلع الخلق عليها ، فلذلك يجب علينا أن نجوّز العفو عن العاصي وإن كثرت سيّئاته الظاهرة والغضب على المطيع وإن كثرت طاعاته الظاهرة فإنّ الاعتماد على التقوى والتقوى في القلب وهو أغمض من أن يطَّلع عليه صاحبه فكيف غيره ، ولكن قد انكشف لأرباب القلوب أنّه لا عفو عن عبد إلا بسبب خفيّ فيه يقتضي العفو ولا غضب إلا بسبب باطن يقتضي البعد عن اللَّه ولولا ذلك لم يكن العفو والغضب جزاء على الأعمال والأوصاف ولو لم يكن جزاء لم يكن عدلا ولو لم يكن عدلا لم يصحّ قوله تعالى : « وما ربّك بظلام للعبيد » ( 1 ) ولا قوله : « إنّ اللَّه لا يظلم مثقال ذرّة » ( 2 ) وكلّ ذلك صحيح ف « ليس للإنسان إلا ما سعى » وسعيه هو الَّذي يرى ، و « كلّ نفس بما كسبت رهينة » ، ولمّا زاغوا « أزاغ اللَّه قلوبهم » ، ولمّا غيّروا ما بأنفسهم غيّر اللَّه ما بهم تحقيقا لقوله تعالى : « إنّ اللَّه لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم » ( 3 ) وهذا كلَّه قد انكشف

هامش
( 1 ) فصلت : 46 .
( 2 ) النساء : 40 .
( 3 ) الرعد : 11 .