يعلم قطعا أنّه لم يتصوّر أن تخطر بباله قبل ذلك صورته فالدّنيا حجاب على التحقيق وبرفعه ينكشف الغطاء فعند ذلك يدرك ذوق الحياة الطيبة « وأنّ الدّار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون » فهذا القدر كاف في بيان توزّع الدّرجات على الحسنات والسيّئات . * ( بيان ما تعظم به الصغائر من الذنوب ) * اعلم أنّ الصغيرة تكبر بأسباب منها الإصرار والمواظبة ولذلك قيل : لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار ، فكبيرة واحدة تنصرم ولا يتبعها مثلها لو تصوّر ذلك كان العفو عنها أرجى من صغيرة يواظب العبد عليها ، ومثال ذلك قطرات من الماء تقع على الحجر على توال فتؤثّر فيه وذلك القدر من الماء لو صبّ عليه دفعة واحدة لم يؤثّر ولذلك قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « خير الأعمال أدومها وإن قلّ » ( 1 ) والأشياء تستبان بأضدادها فإذا كان النافع من العمل هو الدّائم وإن قلّ فالكثير المنصرم قليل النفع في تنوير القلب وتطهيره فكذلك القليل من السيّئات إذا دام عظم تأثيره في إظلام القلب إلا أنّ الكبيرة قلّ ما يتصوّر الهجوم عليها بغتة من غير سوابق ولواحق من جملة الصغائر فقلّ ما يزني الزّاني بغتة من غير مراودة ومقدّمات وقلّ ما يقتل بغتة من غير مشاحنة سابقة ومعاداة ، فكلّ كبيرة تكتنفها صغائر سابقة ولاحقة ولو يتصوّر كبيرة وحدها بغتة ولم يتّفق إليها عود ربّما كان العفو فيها أرجى من صغيرة واظب الإنسان عليها عمره . أقول : روى في الكافي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام أنّه قال : « لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار » ( 2 ) . وعنه عليه السّلام قال : « لا واللَّه لا يقبل شيئا من طاعته على الإصرار على شيء من معاصيه » ( 3 ) . وعن الباقر عليه السّلام في قوله تعالى : « ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون » ( 4 )
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 58
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥٨
هامش
( 1 ) متفق عليه في الصحيحين من حديث عائشة كما تقدم بلفظ « أحب الاعمال » .
( 2 ) المصدر ج 2 ص 288 تحت رقم 1 .
( 3 ) المصدر ج 2 ص 288 تحت رقم 3 .
( 4 ) آل عمران : 135 .