به البلوغ والكمال وأن يحصل في قلبه النور الَّذي به يدرك أرواح الجواهر وسائر الأموال فعند ذلك ينكشف له الصدق والعارف عاجز عن تفهيم المقلَّد القاصر صدق رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في هذه الموازنة إذ يقول : « الجنّة في السماوات » [ 1 ] كما ورد في الأخبار والسماوات من الدّنيا فكيف يكون عشرة أمثال الدّنيا في الدّنيا ، وهذا كما يعجز البالغ عن تفهيم الصبيّ تلك الموازنة وكذلك تفهيم البدويّ وكما أنّ الجوهريّ مرحوم إذا بلي بالبدويّ والقرويّ في تفهيم تلك الموازنة فالعارف مرحوم إذا بلي بالبليد الأبله في تفهيم هذه الموازنة ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ارحموا ثلاثة : عالما بين الجهّال ، وغنيّ قوم افتقر وعزيز قوم ذلّ » ( 1 ) ، والأنبياء مرحومون بين الأمّة بهذا السبب ومقاساتهم لقصور عقول الأمّة فتنة لهم وامتحان وابتلاء من اللَّه وبلاء موكَّل بهم سبق بتوكيله القضاء الأزلي وهو المعنيّ بقوله عليه السّلام « البلاء موكَّل بالأنبياء ثمّ الأولياء ثمّ الأمثل فالأمثل » ( 2 ) فلا تظننّ أنّ البلاء بلاء أيّوب عليه السّلام وهو الَّذي ينزل بالبدن فإنّ بلاء نوح عليه السّلام أيضا من البلاء العظيم إذ بلي بجماعة كان لا يزيدهم دعاؤه إلى اللَّه إلا فرارا ، ولذلك لما تأذّى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بكلام بعض الناس قال : « رحم اللَّه أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر » ( 3 ) فإذن كما لا يخلو الأنبياء عن الابتلاء بالجاحدين فلا يخلو الأولياء والعلماء عن الابتلاء بالجاهلين ، ولذلك قلّ ما ينفكّ الأولياء عن ضروب من الإيذاء وأنواع البلايا بالإخراج من البلاد والسعاية بهم إلى السلاطين والشهادة عليهم بالكفر والخروج عن الدّين وواجب أن يكون أهل المعرفة عند أهل الجهل من الكافرين كما يجب أن يكون المعتاض عن الجمل الكبير جوهرة صغيرة عند الجاهلين من
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 52
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥٢
هامش
( 1 ) أخرجه ابن حبان في الضعفاء من رواية عيسى بن طهمان عن أنس .
( 2 ) أخرجه الترمذي ج 9 ص 243 من حديث سعد بن أبي وقاص وصححه .
( 3 ) أخرجه البخاري ج 7 ص 119 وأحمد من حديث ابن مسعود بسند صحيح .
[ 1 ] روى البخاري ج 9 ص 153 في حديث هكذا « إذا سألتم اللَّه فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة » .
ويفهم منه أن الجنة دون العرش وكون العرش فوق السماوات ظاهر الاخبار .