تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦

لأرباب القلوب انكشافا أوضح من المشاهدة بالبصر إذ البصر يمكن الغلط فيه إذ قد يرى البعيد قريبا والكبير صغيرا ، ومشاهدة القلب لا يمكن الغلط فيها وإنّما الشأن في انفتاح بصيرة القلب وإلا فما يرى بها بعد الانفتاح فلا يتصوّر فيه الكذب وإليه الإشارة بقوله تعالى : « ما كذب الفؤاد ما رأى » ( 1 ) . الرتبة الثالثة رتبة الناجين وأعني بالنجاة السلامة فقطَّ دون السعادة والفوز ، وهم قوم لم يخدموا فيخلع عليهم ولم يقصروا فيعذّبوا ويشبه أن يكون هذا حال المجانين والصبيان من الكفّار والمعتوهين والَّذين لم تبلغهم الدّعوة في أطراف البلاد وعاشوا على البله وعدم المعرفة فلم يكن لهم معرفة ولا جحود ولا طاعة ولا معصية ، فلا وسيلة تقرّبهم ولا جناية تبعدهم فما هم من أهل الجنّة ولا هم من أهل النار بل ينزلون في منزلة بين المنزلتين ومقام بين المقامين ، وحلول طائفة من الخلق فيه معلوم يقينا من الآيات والأخبار ومن أنوار الاعتبار ، فأمّا الحكم على العين كالحكم مثلا بأنّ الصبيان منهم فهذا مظنون وليس بمستيقن والاطَّلاع عليه تحقيقا في عالم النبوّة ولا يبعد أن يرتقى إليه رتبة الأولياء والعلماء ، والأخبار في حقّ الصبيان أيضا متعارضة حتّى قالت عائشة ( 2 ) لما مات بعض الصبيان : عصفور من عصافير الجنّة ، فأنكر رسول اللَّه عليه السّلام ذلك وقال : « ما يدريك » . فإذن الاشكال والاشتباه أغلب في هذا المقام . أقول : روي في الكافي أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم سئل عن الأطفال فقال : « اللَّه أعلم بما كانوا عاملين » ( 3 ) . وأنّ الصادق عليه السّلام سئل عمّن مات في الفترة وعمّن لم يدرك الحنث والمعتوه فقال : « يحتجّ اللَّه عليهم يرفع لهم نارا فيقول لهم : ادخلوها فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما ، ومن أبي قال : ها أنتم قد أمرتكم فعصيتموني » ( 4 ) . وفي رواية أخرى « فمن سبق له في علم اللَّه عزّ وجلّ أن يكون سعيدا ألقى

هامش
( 1 ) النجم : 11 .
( 2 ) رواه مسلم ج 8 ص 54 .
( 3 ) المصدر ج 3 ص 248 .
( 4 ) المصدر ج 3 ص 249 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 56 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري