الاستنشاق فلا يظهر الوباء على الظاهر إلا بعد طول التأثير في الباطن فالخروج من البلد لا يخلَّص غالبا من الأثر الَّذي استحكم من قبل ولكنّه يتوهّم الخلاص فيصير هذا من جنس الموهومات كالرّقي والطيرة وغيرهما فلو تجرّد هذا المعنى لكان مناقضا للتوكَّل ولم يكن منهيّا عنه ولكن صار منهيّا عنه لأنّه انضاف إليه أمر آخر وهو أنّه لو رخّص للأصحّاء في الخروج لما بقي في البلد إلا المرضى الَّذين أقعدهم المرض والطاعون وانكسرت قلوبهم وفقدوا المتعهّدين ، ولم يبق في البلد من يسقيهم الماء ويطعمهم الطعام ، وهم يعجزون عن مباشرة ذلك بأنفسهم فيكون ذلك سعيا في إهلاكهم تحقيقا وخلاصهم منتظر كما أنّ خلاص الأصحّاء أيضا منتظر فلو أقاموا لم تكن الإقامة قاطعا بالموت ، ولو خرجوا لم يكن الخروج قاطعا بالخلاص وهو قاطع في إهلاك الباقين ، والمسلمون كالبنيان يشدّ بعضهم بعضا ، والمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى إلى سائر أعضائه فهذا هو الَّذي ينقدح عندنا في تعليل النهي وينعكس هذا فيمن لم يقدم على البلد فإنّه لم يؤثّر الهواء في باطنهم ولا بأهل البلد حاجة إليهم نعم لو لم يبق في البلد إلا مطعونون وافتقروا إلى المتعهّدين فقدم عليهم قوم ، فربّما كان ينقدح استحباب الدّخول ههنا لأجل الإعانة ولا ينهى عن الدّخول لأنّه تعرّض لضرر موهوم على رجاء دفع ضرر عن بقيّة المسلمين ولهذا شبه الفرار من الطاعون في بعض الأخبار ( 1 ) بالفرار من الزّحف لأنّ فيه كسرا لقلوب بقيّة المسلمين ويصير سعيا في إهلاكهم ، فهذه أمور دقيقة فمن لا يلاحظها وينظر إلى ظواهر الأخبار والآثار يتناقض عنده أكثر ما يسمعه وغلط الزّهّاد والعبّاد في مثل هذا يكثر وإنّما شرف العلم وفضيلته لأجل ذلك . تمّ كتاب التوحيد والتوكَّل من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء ويتلوه كتاب المحبّة والشوق والرّضا والأنس إن شاء اللَّه تعالى . وفرغ منه مؤلَّفه محسن بن مرتضى جعله اللَّه من الموحدّين المتوكَّلين والحمد للَّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 435
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٣٥
هامش
( 1 ) تشبيه الفرار من الطاعون من الزحف أخرجه أحمد في مسنده ج 6 ص 145 من حديث عائشة .