تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣

المبذّرين المضيّعين . فإذا عرفت هذه الدقائق فآمن بقوله عليه السّلام : « إنّه يعطى آخر من يخرج من النار مثل الدّنيا عشر مرّات » واجتهد أن لا تعجز عن درك النكتة الدّقيقة الَّتي ذكرنا وإيّاك أن تقصر بتصديقك على ما يدركه البصر والحواسّ فقط فتكون حمارا برجلين لأنّ الحمار يشاركك في الحواس الخمس وإنّما أنت مفارق للحمار بسرّ إلهيّ عرض على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنه وأشفقن منه فإدراك ما يخرج عن عالم الحواسّ الخمس لا يصادف إلا في عالم ذلك السرّ الَّذي فارقت به الحمار وسائر البهائم ، فمن ذهل عن ذلك وأبطله وأهمله وقنع بدرجة البهائم ، ولم يجاوز المحسوسات فهو الَّذي أهلك نفسه بتعطيلها ونسيها بالاعراض عنها واللَّه يقول : « ولا تكونوا كالَّذين نسوا اللَّه فأنساهم أنفسهم » ( 1 ) وكلّ من لم يعرف إلا المدرك بالحواسّ فقد نسي اللَّه إذ ليس ذات اللَّه مدركا في هذا العالم بالحواسّ الخمس وكلّ من نسي اللَّه أنساه اللَّه لا محالة نفسه ونزل إلى رتبة البهائم وترك الترقّي إلى أفق الملأ الأعلى ، وخان في الأمانة الَّتي أودعها اللَّه وأنعم بها عليه كافرا لنعمته ومتعرّضا لنقمته ، إلا أنّه أسوأ حالا من البهيمة ، فإنّ البهيمة تتخلَّص بالموت وأمّا هذا فعنده أمانة سترجع لا محالة إلى مودعها فإليه مرجع الأمانة ومصيرها ، وتلك الأمانة كالشمس الزّاهرة وإنّما هبطت إلى هذا القالب الفاني وغربت فيه ، وستطلع هذه الشمس عند خراب القالب من مغربها وتعود إلى بارئها وخالقها إمّا مظلمة منكسفة وإمّا زاهرة مشرقة ، والزاهرة المشرقة غير محجوبة عن الحضرة الرّبوبيّة والمظلمة أيضا راجعة إلى الحضرة إذ المرجع والمصير للكلّ إليه إلا أنّها ناكسة رأسها عن جهة أعلى علَّيّين إلى جهة أسفل سافلين ، ولذلك قال تعالى : « ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربّهم » ( 2 ) فبيّن أنّهم عند ربّهم إلا أنّهم منكوسون منحوسون قد انقلبت وجوههم إلى أقفيتهم وانتكست رؤسهم عن جهة فوق إلى جهة أسفل وذلك

هامش
( 1 ) الحشر : 19 .
( 2 ) السجدة : 12 .