نفسه فيها فكانت عليه بردا وسلاما ، ومن سبق له في علم اللَّه أن يكون شقيّا امتنع فلم يلق نفسه في النار فيأمر اللَّه به إلى النار » ( 1 ) لتركه ما أمر اللَّه وامتناعه من الدّخول فيها . الرتبة الرابعة رتبة الفائزين وهم العارفون دون المقلَّدين وهم المقرّبون السابقون ، فإنّ المقلَّد وإن كان له فوز على الجملة بمقام في الجنّة فهو من أصحاب اليمين وهؤلاء هم المقرّبون وما يلقى هؤلاء يجاوز حدّ البيان والقدر الممكن ذكره ما فصّله القرآن فليس بعد بيان اللَّه بيان ، والَّذي لا يمكن التعبير عنه في هذا العالم فهو الَّذي أجمله قوله تعالى : « فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين » ( 2 ) ، وقوله : « أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » ( 3 ) والعارفون مطلبهم تلك الحالة الَّتي لا يتصوّر أن تخطر على قلب بشر في هذا العالم ، فأمّا الحور والقصور والفواكه واللَّبن والعسل والخمر والحليّ والأساور فإنّهم لا يحرصون عليها ولو أعطوها لم يقنعوا بها ولا يطلبون إلا لذّة النظر إلى وجه اللَّه الكريم فهو غاية السعادات ونهاية اللَّذّات ولذلك قيل لرابعة العدويّة : كيف رغبتك في الجنّة ؟ فقالت : الجار ثمّ الدّار ، فهؤلاء قوم شغلهم حبّ ربّ الدّار عن الدّار وزينتها ، بل عن كلّ شيء سواه حتّى عن أنفسهم ، ومثالهم مثال العاشق المستهتر بمعشوقه ، المستغرق همّه بالنظر إلى وجهه والفكر فيه فانّه في حال الاستغراق غافل عن نفسه لا يحسّ بما يصيبه في بدنه ، ويعبّر عن هذه الحالة بأنّه فنى عن نفسه ومعناه أنّه صار مستغرقا بغيره ، وصارت همومه همّا واحدا وهو محبوبه ولم يبق فيه متّسع لغير محبوبه حتّى يلتفت إليه لا نفسه ولا غير نفسه ، وهذه الحالة هي الَّتي توصل في الآخرة إلى قرّة عين لا يتصوّر أن تخطر في هذا العالم على قلب بشر كما لا يتصوّر أن تخطر صورة الألوان والألحان على قلب الأكمه والأصم إلى أن يرفع الحجاب عن سمعه وبصره فعند ذلك يدرك حالة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 57
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥٧
هامش
( 1 ) الكافي ج 3 ص 248 نقلا بالمعنى .
( 2 ) السجدة : 17 .
( 3 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 4328 .