حكم اللَّه تعالى فيمن حرمه توفيقه ولم يهده طريقه ، فنعوذ باللَّه من الضلال والنزول في منازل الجهّال . فهذا حكم انقسام من يخرج من النار ويعطى مثل عشرة أمثال الدّنيا أو أكثر ولا يخرج من النار إلا موحّد ، ولست أعني بالتوحيد أن يقول بلسانه : « لا إله إلا اللَّه » فإنّ اللَّسان من عالم الملك والشهادة فلا ينفع إلا في عالم الملك فيدفع السيف عن رقبته وأيدي الغانمين عن ماله ومدّة بقاء الرّقبة والمال مدّة الحياة فحيث لا تبقى رقبة ولا مال لا ينفع القول باللَّسان ، وإنّما ينفع الصدق في التوحيد وكمال التوحيد أن لا يرى الأمور كلَّها إلا من اللَّه وعلامته أن لا يغضب على أحد من الخلق بما يجري عليه إذ لا يرى الوسائط وإنّما يرى مسبّب الأسباب كما سيأتي تحقيقه في التوكَّل ، وهذا التوحيد متفاوت ، فمن الناس من له من التوحيد مثل الجبال ، ومنهم من له مثقال ، ومنهم من له مقدار خردلة وذرّة ، فمن في قلبه مثقال دينار فهو أوّل مخرج من النار ، وفي الخبر يقال : « أخرجوا من النار من في قلبه مثقال دينار من إيمان » ( 1 ) « وآخر من يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرّة من إيمان » ( 2 ) وما بين المثقال والذرّة على تفاوت درجاتهم يخرجون بين طبقة المثقال وبين طبقة الذرّة ، والموازنة بالمثقال والذرّة على سبيل ضرب المثل كما ذكرنا في الموازنة بين أعيان الأموال وبين النقود ، وأكثر ما يدخل الموحّدين النار مظالم العباد ، فديوان العباد هو الدّيوان الَّذي لا يترك وأمّا بقيّة السيّئات فيتسارع العفو والتكفير إليها ففي الأثر أنّ العبد ليوقف بين يدي اللَّه عزّ وجلّ وله من الحسنات أمثال الجبال لو سلمت له لكان من أهل الجنّة ، فيقوم أصحاب المظالم فيكون قد سبّ عرض هذا وأخذ مال هذا وضرب هذا فينقص من حسناته حتّى لا يبقى له حسنة فتقول الملائكة : يا ربّنا قد فنيت حسناته وبقي طالبون كثير فيقال : ألقوا من سيّئاتهم على سيّئاته وصكَّوا له صكَّا إلى النار ، وكما يهلك هو بسيّئة غيره بطريق القصاص فكذلك ينجو المظلوم بحسنة الظالم إذ ينقل إليه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 54
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥٤
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 59 و 60 باختلاف في اللفظ .
( 2 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 59 و 60 باختلاف في اللفظ .