لم يتوسّخ أصلا ، وإن مات قبل التوبة فهذا أمره مخطر عند الموت ، إذ ربّما يكون موته على الإصرار سببا لتزلزل إيمانه فيختم له بسوء الخاتمة لا سيّما إذا كان إيمانه تقليديّا فإنّ التقليد وإن كان جزما فهو قابل للانحلال بأدنى شكّ وخيال ، والعارف البصير أبعد من أن يخاف عليه سوء الخاتمة وكلاهما إن ماتا على الإيمان يعذّبان - إلا أن يعفو اللَّه - عذابا يزيد على عذاب المناقشة في الحساب ، وتكون كثرة العذاب من حيث المدّة بحسب كثرة مدّة الإصرار ، ومن حيث الشدّة بحسب قبح الكبائر ، ومن حيث اختلاف النوع بحسب اختلاف أصناف السيّئات ، وعند انقضاء مدّة العقاب ينزل البله المقلَّدون في درجات أصحاب اليمين والعارفون المستبصرون في أعلى علَّيّين ، ففي الخبر « آخر من يخرج من النار يعطى مثل الدّنيا كلَّها عشرة أضعاف » ( 1 ) ولا تظننّ أنّ المراد به تقديره بالمساحة لأطراف الأجسام كأن يقابل فرسخ بفرسخين أو عشرة بعشرين فإنّ هذا جهل بطريق ضرب الأمثال بل هذا كقول القائل أخذ منه جملا وأعطاه عشرة أمثاله ، وكان الجمل يساوي عشرة دنانير فأعطاه مائة دينار فإن لم يفهم من المثل إلا المثل في الوزن والثقل فلا تكون مائة دينار لو وضعت في كفّة الميزان والجمل في الكفّة الأخرى عشر عشيره بل هو موازنة معاني الأجسام وأرواحها دون أشخاصها وهياكلها فإنّ الجمل لا يقصد لثقله وطوله وعرضه ومساحته بل لماليّته فروحه الماليّة وجسمه اللَّحم والدّم ومائة دينار عشرة أمثاله بالموازنة الروحانيّة لا بالموازنة الجسمانيّة ، وهذا صادق عند من يعرف روح الماليّة من الذّهب والفضّة بل لو أعطاه جوهرة وزنها مثقال وقيمتها مائة دينار وقال : أعطيته عشرة أمثاله كان صادقا ولكن لا يدرك صدقه إلا الجوهريّ فإنّ روح الجوهريّة لا تدرك بمجرّد البصر بل بفطنة أخرى وراء البصر فلذلك يكذّب به الصبيّ بل القروي والبدويّ ويقول : ما هذه الجوهرة إلا حجر وزنه مثقال ووزن الجمل ألف ألف مثقال فقد كذب في قوله إنّي أعطيت عشرة أمثاله والكاذب بالتحقيق هو الصبيّ ولكن لا سبيل إلى تحقيق ذلك عنده إلا بأن ينتظر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 51
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥١
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ج 1 ص 119 .