كان مشغول القلب باللَّه غير مستشرف إلى الناس ولا متطلَّع إلى من يدخل من الباب ليأتيه برزقه تطلَّعه إلى فضل اللَّه واشتغاله باللَّه فهذا أفضل وهو من مقامات التوكَّل وهو أن يشتغل باللَّه ولا يهتمّ برزقه فإن الرّزق يأتيه لا محالة وعند هذا يصحّ ما قاله بعض العلماء وهو أنّ العبد لو هرب من رزقه لطلبه كما لو هرب من الموت لأدركه ، وإنّه لو سأل اللَّه تعالى أن لا يرزقه لما استجاب له وكان عاصيا ، ولقال له : يا جاهل كيف أخلقك ولا أرزقك ، ولذلك قال ابن عباس : اختلف الناس في كلّ شيء إلا في الرّزق والأجل فإنّهم أجمعوا على أن لا رازق ولا مميت إلا اللَّه تعالى . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لو توكَّلتم على اللَّه حقّ توكَّله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ولزالت بدعائكم الجبال » [ 1 ] وقال عيسى عليه السّلام : « انظروا إلى الطير لا يزرع ولا يحصد ولا يدّخر واللَّه تعالى يرزقها يوما يوما » فإن قلتم : نحن أكبر بطونا فانظروا إلى الأنعام كيف قيّض اللَّه لها الخلق . أقول : لعلّ أبا حامد إنّما أورد أمثال هذه الأخبار والأقوال ليردّ أهل الحرص إلى الاعتدال وإلا فلا ريب أنّ الإنسان مكلَّف بطلب الرّزق بالأسباب الَّتي هداه اللَّه إليها من زراعة أو تجارة أو صناعة أو غير ذلك ممّا أحلَّه اللَّه وكما أنّ الصلاة والصيام والحجّ عبادات كلَّف اللَّه بها عباده يتقرّبون بها إليه كذلك طلب الرّزق الحلال عبادة كلَّفهم اللَّه به ليتقرّبوا به إليه ولكنّه سبحانه كلَّفهم أيضا بأن لا يثقوا إلا به تعالى لا بملابستهم الأسباب كما أنّه كلَّفهم اللَّه بأن لا يتّكلوا على أعمالهم الحسنة بل بفضل اللَّه . قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « العبادة سبعون جزءا أفضلها طلب الحلال » ( 1 ) « وأوحى اللَّه إلى داود عليه السّلام إنّك نعم العبد لولا أنّك تأكل من بيت المال ولا تعملنّ بيدك شيئا فبكى داود أربعين صباحا فألان اللَّه له الحديد » ( 2 ) والأنبياء وأئمّة الهدى سلام اللَّه -
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 417
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤١٧
هامش
( 1 ) الكافي ج 5 ص 78 تحت رقم 6 .
( 2 ) الكافي ج 5 ص 74 تحت رقم 5 .
[ 1 ] أخرجه الحاكم في المستدرك ج 4 ص 318 وأحمد بدون قوله : « ولزالت بدعائكم الجبال » ورواه محمد بن نصر بهذه الزيادة وأدنى اختلاف في كتاب تعظيم قدر الصلاة من حديث معاذ بن جبل .