الفنّ الأوّل في جلب النافع
ونقول فيه : الأسباب الَّتي بها يجلب النافع على ثلاث درجات مقطوع به ومظنون ظنّا يوثق به وموهوم وهما لا تثق النفس به ثقة تامّة ولا تطمئنّ إليه .
الدّرجة الأولى المقطوع به وذلك مثل الأسباب الَّتي ارتبطت المسبّبات بها بتقدير اللَّه ومشيّته ارتباطا مطَّردا لا يختلف كما إذا كان الطعام موضوعا بين يديك وأنت جائع محتاج ولكنّك لست تمدّ إليه اليد وتقول : أنا متوكَّل وشرط التوكَّل ترك السعي ومدّ اليد إليه سعي وحركة ، وكذلك مضغه بالأسنان وابتلاعه بإطباق أعالي الحنك على أسافله ، فهذا جنون محض وليس من التوكَّل في شيء ، فإنّك إن انتظرت أن يخلق اللَّه فيك شبعا دون الخبز أو يخلق في الخبز حركة إليك أو يسخر ملكا ليمضغه ويوصله إلى معدتك فقد جهلت سنّة اللَّه وكذلك لو لم تزرع الأرض فطمعت في أن يخلق اللَّه تعالى نباتا من غير بذر ، أو تلد زوجتك من غير وقاع كما ولدت مريم ، فكلّ ذلك جنون وأمثال هذا ممّا يكثر ولا يمكن إحصاؤه فليس التوكَّل في هذا المقام بالعمل بل بالحال والعلم ، أمّا العلم فهو أن تعلم أنّ اللَّه خالق الطعام واليد والأسنان وقوّة الحركة وأنّه يطعمك ويسقيك ، وأمّا الحال فهو أن يكون سكون قلبك واعتماده على فضل اللَّه تعالى لا على اليد والطعام وكيف تعتمد على صحّة يدك وربّما تجفّ في الحال وتفلج وكيف تعول على قدرتك وربّما يطرأ عليك في الحال ما يزيل عقلك ويبطل قوّة حركتك وكيف تعول على حضور الطعام وربّما يسلَّط اللَّه من يغلبك عليه أو يبعث حيّة تزعجك عن مقامك وتفرق بينك وبين طعامك وإذا احتمل أمثال ذلك ولم يكن لها علاج إلا بفضل اللَّه فبذلك فلتفرح وعليه فلتتوكَّل وإذا كان هذا حاله وعلمه فيمدّ اليد إليه فإنّه متوكَّل .
الدّرجة الثانية الأسباب الَّتي ليست متيقّنة ، لكنّ الغالب أنّ المسبّبات لا تحصل دونها وكان احتمال حصولها دونها بعيدا كالَّذي يفارق الأمصار والقوافل ويسافر في البوادي الَّتي لا يطرقها الناس إلا نادرا ولا يكون سفره من غير استصحاب زاد فهذا ليس شرطا في التوكَّل بل استصحاب الزّاد في البوادي سنّة الأوّلين ولا يزول التوكَّل به