تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
فقال : يا ربّ إن أحييتني فأتني برزقي الَّذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك فأوحى اللَّه إليه وعزّتي وجلالي لا أرزقك حتّى تدخل الأمصار وتقعد بين النّاس ، فدخل المصر وأقام فجاءه هذا بطعام فأكل وشرب وأوجس في نفسه من ذلك فأوحى اللَّه إليه أردت أن تذهب حكمتي بزهدك في الدّنيا أما علمت أنّي أن أرزق عبدي بأيدي عبادي أحبّ إليّ من أن أرزقه بيد قدرتي ، فإذن التباعد عن الأسباب كلَّها مراغمة للحكمة وجهل بسنّة اللَّه تعالى والعمل بموجب سنّة اللَّه تعالى مع الاتّكال على اللَّه دون الأسباب لا يناقض التوكَّل كما ضربنا مثلا في الوكيل بالخصومة من قبل ، ولكنّ الأسباب تنقسم إلى ظاهرة وإلى خفيّة ، فمعنى التوكَّل الاكتفاء بالأسباب الخفيّة عن الأسباب الظاهرة مع سكون النفس إلى مسبّب الأسباب الخفيّة لا إلى السبب . أقول : ليت شعري أيّ مدخل في خفاء الأسباب وجلائها في التوكَّل بعد ما تقرّر أنّ معناه الثّقة باللَّه وحده لا بالأسباب فسواء وجود الأسباب وفقدها جلاؤها وخفاؤها مع أنّ من جاهد نفسه وسوّاها بحيث يصبر على الجوع الأسبوع ويمكنه التقوّت بالحشيش صارت الأسباب له جليّة فإنّ عدم الحاجة أحد الغناءين فإن كانت ثقته حينئذ على صبره وتمكَّنه من التقوّت بالحشيش فلا توكَّل وإن كان إنّما يثق باللَّه وحده فليقم في البلد مع الأسباب الجليّة وليثق باللَّه دون الأسباب كما أمر اللَّه به الزّاهد الَّذي روى قصّته أبو حامد آنفا . قال : فإن قلت : القعود في البلد بغير كسب أهو حرام أم مباح أو مندوب ؟ فاعلم أنّ ذلك ليس بحرام لأنّ صاحب السياحة في البادية إذا لم يكن مهلكا نفسه فهذا كيف كان مهلكا نفسه حتّى يكون فعله حراما ، بل لا يبعد أن يأتيه الرّزق من حيث لا يحتسب ولكن قد يتأخّر عنه والصبر ممكن إلى أن يتّفق ، ولكن لو أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا يترك طريقا لأحد إليه ففعله ذلك حرام ، وإن فتح باب البيت وهو بطَّال غير مشغول بعبادة فالكسب والخروج له أولى ولكن ليس فعله حراما [ 1 ] إلى أن يشرف على الموت فعند ذلك يلزمه الخروج والسؤال أو الكسب ، وإن
هامش
[ 1 ] بل صار ملعونا لأنه حينئذ كل على الناس .