تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩

بها في المسبّبات ممّا يكثر فلا يمكن إحصاؤها وقال سهل في التوكَّل : إنّه ترك التدبير ، وقال : إنّ اللَّه خلق الخلق ولم يحجبهم عن نفسه وإنّما حجابهم تدبيرهم . ولعلَّه أراد به استنباط الأسباب البعيدة بالفكر فهي الَّتي تحتاج إلى التدبير دون الأسباب الجليّة فإذن قد ظهر أنّ الأسباب منقسمة إلى ما يخرج التعلَّق بها عن التوكَّل وإلى ما لا يخرج وأنّ الَّذي لا يخرج ينقسم إلى مقطوع به وإلى مظنون وأنّ المقطوع به لا يخرج عن التوكَّل عند وجود حال التوكَّل وعلمه وهو الاتّكال على مسبّب الأسباب فالتوكَّل فيها بالحال والعلم لا بالعمل ، فأمّا لمظنونات فالتوكَّل فيها بالحال والعلم والعمل جميعا . أقول : أراد بالعمل الاكتفاء بالأسباب الخفيّة عن الأسباب الظاهرة مع سكون النفس إلى مسبّب الأسباب كما قاله فيما قبل وقد عرفت ما فيه من الخطأ ، ثمّ ذكر درجات مقامات المتوكَّلين في ملابسة هذه الأسباب وبسط الكلام فيه بما لا طائل تحته ولا سيّما بعد ما سمعت منّا ، ثمّ قال : فإن قلت : فالأفضل أن يقعد في بيته أو يخرج ويكتسب ؟ فاعلم أنّه إذا كان يتفرّغ بترك الكسب لفكر وذكر وإخلاص واستغراق وقت بالعبادة وكان الكسب يشوّش عليه ذلك وهو مع هذا لا تستشرف نفسه إلى الناس في انتظار من يدخل فيحمل له شيئا بل يكون قويّ القلب في الصبر والاتّكال على اللَّه فالقعود له أولى وإن كان يضطرب قلبه في البيت ويستشرف إلى النّاس فالكسب له أولى لأنّ استشراف القلب إلى الناس سؤال بالقلب وتركه أهمّ من ترك الكسب وما كان المتوكَّلون يأخذون ما تستشرف إليه نفوسهم . أقول : بل الكسب أفضل له على التقديرين لأنّ قعوده في البيت تعرّض للذّل فإنّه إن لم يسأل الناس بقلبه ولسانه فقد سألهم بحاله مع أنّه ترك أفضل العبادة رأسا وربّما يصير على الناس كلا وبأسا وأنّى له ذلك وقد عاتب اللَّه تعالى داود عليه السّلام على أكله من بيت المال ( 1 ) كما مرّ ذكره قال الصادق عليه السّلام : « إن استطعت أن لا تكون كلا على الناس فافعل » ( 2 ) .

هامش
( 1 ) تقدم عن الكافي ج 5 ص 74 تحت رقم 5 .
( 2 ) الكافي ج 5 ص 79 تحت رقم 9 .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 419 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري