تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
بعد أن يكون الاعتماد على فضل اللَّه تعالى لا على الزّاد كما سبق ولكن فعل ذلك جائز وهو من أعلى مقامات التوكَّل ولذلك كان يفعله الخوّاص . فإن قلت : فهذا سعي في الهلاك وإلقاء النفس في التهلكة فاعلم أنّ ذلك يخرج من كونه حراما بشرطين أحدهما أن يكون الرّجل قد راض نفسه وجاهدها وسوّاها على الصبر عن الطعام أسبوعا فما يقاربه بحيث يصبر عنه من غير ضيق قلب وتشوّش خاطر وتعذّر في ذكر اللَّه تعالى ، والثاني أن يكون بحيث يقوى على التقوّت بالحشيش وما يتّفق له من الأشياء الخسيسة فبعد هذين الشرطين لا يخلو في غالب الأمر في البوادي في كلّ أسبوع عن أن يلقاه آدميّ أو ينتهي إلى حلَّة أو قرية أو إلى حشيش يجتزي به فيحيى به مجاهدا نفسه ، والمجاهدة عماد التوكَّل ، وعلى هذا كان يعوّل الخوّاص ونظراؤه من المتوكَّلين ، والدّليل عليه أنّ الخوّاص كان لا تفارقه الإبرة والمقراض والحبل والرّكوة ويقول : هذا لا يقدح في التوكَّل وسببه أنّه علم أنّ البوادي لا يكون الماء فيها على وجه الأرض وما جرت سنّة اللَّه تعالى بصعود الماء من البئر بغير دلو ولا حبل ، ولا يغلب وجود الحبل والدّلو في البوادي كما يغلب وجود الحشيش ، والماء يحتاج إليه لوضوئه كلّ يوم مرّات ولعطشه في في كلّ يوم أو يومين مرّة فإنّ المسافر مع حرارة الحركة لا يصبر عن الماء وإن صبر عن الطعام وكذلك يكون له ثوب واحد وربّما ينخرق فينكشف عورته ولا يوجد المقراض والإبرة في البوادي غالبا عند كلّ صلاة ولا يقوم مقامهما في الخياطة والقطع شيء ممّا يوجد في البوادي ، فكلّ ما في معنى هذه الأربعة أيضا لا يلتحق بالدّرجة الأولى لأنّه مظنون ظنّا لا يقطع به لأنّه يحتمل أن لا تنحرق الثوب أو يعطيه إنسان ثوبا أو يجد على رأس البئر من يسقيه ولا يحتمل أن يتحرّك الطعام ممضوغا إلى فيه ، فبين الدّرجتين فرق ولكن الثاني في معنى الأوّل ولهذا نقول : لو انحاز إلى شعب من شعاب الجبال حيث لا ماء ولا حشيش ولا يطرقه طارق فيه وجلس متوكَّلا فهو آثم به ساع في إهلاك نفسه كما روي أنّ زاهدا من الزّهاد فارق الأمصار وأقام في سفح جبل وقال : لا أسأل أحدا شيئا حتّى يأتيني ربّي برزقي فقعد سبعا فكاد يموت ولم يأته رزق