تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨

عليهم كانوا يعملون بأيديهم في طلب الرّزق كما مرّ في كتاب أحكام الكسب ولو كان ترك الكسب خيرا لكانوا أولى به . قال الصادق عليه السّلام : « ليس منّا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه » ( 1 ) . وسأل عليه السّلام عن رجل فقيل : أصابته الحاجة قال : فما يصنع اليوم ؟ قيل : في البيت يعبد ربّه ، فقال : من أين قوته ؟ قيل : من عند بعض إخوانه فقال عليه السّلام : واللَّه الَّذي يقوته أشدّ عبادة منه ( 2 ) . وقال له رجل : « لأقعدنّ في بيتي ولاصلينّ ولأصومنّ ولأعبدنّ ربّي فأمّا رزقي فسيأتيني فقال عليه السّلام : هذا أحد الثلاثة الَّذين لا يستجاب لهم » ( 3 ) . والأخبار في هذا المعنى أكثر من أن تحصى ، وقد روى أبو حامد أيضا طرفا منها في مواضعها وإنّما خبل عقله وكياسته في أمثال هذا المقام لحسن ظنّه بالسلف وزعمه أنّ ما انتهى إليه من أفعال متقشّفتهم صحيح وأنّهم قدوة وقد أخطأ في الجميع . قال : الدّرجة الثالثة ملابسة الأسباب الَّتي يتوهّم إفضاؤها إلى المسبّبات من غير ثقة ظاهرة كالَّذي يستقصى في التّدبيرات الدّقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه فذلك يخرجه بالكلَّيّة عن درجات التوكَّل كلَّها ، وهو الَّذي فيه الناس كلَّهم أعني من يكتسب بالحيل الدّقيقة اكتسابا مباحا لمال مباح فأمّا أخذ الشبهة أو الاكتساب بطريق فيه شبهة فذلك غاية الحرص على الدّنيا والاتّكال على الأسباب فلا يخفى أنّ ذلك يبطل التوكَّل وهي مثل الأسباب الَّتي نسبتها إلى جلب المنافع مثل نسبة الرّقية والطيرة والكيّ بالإضافة إلى إزالة الضّارّ ، فإنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وصف المتوكَّلين بذلك ولم يصفهم بأنّهم لا يكتسبون ولا يجلسون في الأمصار ولا يأخذون من أحد شيئا ، بل وصفهم بأنّهم يتعاطون هذه الأسباب ، وأمثال هذه الأسباب الَّتي لا يوثق

هامش
( 1 ) الفقيه باب المعايش والمكاسب ص 351 تحت رقم 2 .
( 2 ) الكافي ج 5 ص 78 تحت رقم 4 .
( 3 ) التهذيب ج 6 كتاب المكاسب باب المكاسب تحت رقم 8 عن الكليني ( ره ) ورواه هو في الكافي ج 5 ص 77 تحت رقم 1 عن الصادق عليه السّلام .