تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
من جهة الآدميّين بل من خلق اللَّه فأمّا الحول والقوّة فقد أشكل أمرهما على المعتزلة والفلاسفة وطوائف كثيرة ممّن يدّعي أنّه يدقّق النظر في الرّأي والمعقول حتّى يشقّ الشعر بحدّة نظره فهي مهلكة مخطرة ومزلَّة عظيمة هلك فيها الغافلون إذا أثبتوا لأنفسهم أمرا وهو شرك في التوحيد وإثبات خلق لغير اللَّه فمن جاوز هذه العقبة بتوفيق اللَّه إيّاه فقد علت رتبته وعظمت درجته وهو الَّذي يصدق قول « لا حول ولا قوّة إلا باللَّه » ، وقد ذكرناه أنّه ليس في التّوحيد إلا عقبتان : إحداهما النظر إلى السّماء والأرض والشمس والقمر والغيم والمطر وسائر الجمادات ، والثانية النظر إلى اختيار الحيوانات وهي أعظم العقبتين وأخطرهما وكأنّه كمال سرّ التوحيد فلذلك عظم ثواب هذه الكلمة أعني ثواب المشاهدة الَّتي هذه الكلمة ترجمتها فإذن رجع حاصل التوكَّل إلى التبرّي من الحول والقوّة والتوكَّل على الواحد الحقّ وسيتضح ذلك عند ذكرنا تفصيل أعمال التوكَّل . أقول : ثمّ ذكر أبو حامد فصلا في بيان ما قاله الشيوخ في حال التوكَّل ولما لم يكن فيه مزيد فائدة على ما حقّقه في معناه طويناه . قال : * ( بيان أعمال المتوكَّلين ) * اعلم أنّ العلم يورث الحال والحال يثمر الأعمال وقد يظنّ أنّ معنى التوكَّل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة واللَّحم على الوضم وهذا ظنّ الجهّال فإنّ ذلك حرام في الشرع والشرع قد أثنى على المتوكَّلين فكيف ينال مقام من مقامات الدّين بمحظورات الدّين بل نكشف الغطاء عن الحقّ فيه ونقول : إنّما يظهر تأثير التوكَّل في حركة العبد وسعيه بعلمه إلى مقاصده وسعي العبد باختياره إمّا أن يكون لأجل جلب نافع هو مفقود عنده كالكسب أو لحفظ نافع هو موجود عنده كالادّخار أو لدفع ضارّ لم ينزل به كدفع الصائل والسّارق والسباع أو لإزالة ضارّ قد نزل به كالتّداوي من المرض ، فمقصود حركات العبد لا تعدو هذه الفنون الأربعة وهو جلب النافع أو حفظه أو دفع الضّارّ أو قطعه فلنذكر شروط التوكَّل ودرجاته في كلّ واحد منها مع شواهد الشرع .