الماء والظلّ والفواكه والأشجار والحور العين وكلّ ذلك من لذّات المنظور والمشروب والمأكول والمنكوح ويتصوّر ذلك للبهائم على الدّوام وأين لذّات البهائم من لذّات الملك والنزول في أعلى علَّيّين في جوار ربّ العالمين ، ولو كان لهذه اللَّذّات قدر لما وسعت على البهائم ولما رفعت عليها درجة الملائكة أفترى أنّ أحوال البهائم وهي مسيبة في الرّياض ، متنعّمة بالمياه والأشجار وأصناف المأكولات ، متمتّعة بالنزوان والسفاد أعلى وألذّ وأشرف وأجدر بأن تكون عند ذوي الكمال مغبوطة من أحوال الملائكة في سرورهم بالقرب من جوار اللَّه في أعلى علَّيّين ، هيهات هيهات ما أبعد عن التحصيل من إذا خيّر بين أن يكون حمارا أو يكون في درجة جبرئيل فيختار درجة الحمار على درجة جبرئيل ، وليس يخفى أنّ شبه كلّ شيء منجذب إليه وأنّ النّفس الَّتي يكون نزوعها إلى صنعة الأساكفة [ 1 ] أكثر من نزوعها إلى صنعة الكتابة فهي بالأساكفة أشبه في جوهرها منها بالكتّاب ، وكذلك من كان نزوع نفسه إلى نيل لذّات البهائم فهو بالبهائم أشبه منه بالملائكة لا محالة وهؤلاء هم الَّذين يقال فيهم « أولئك كالأنعام بل هم أضلّ وإنّما كانوا أضلّ لأنّ الأنعام ليس في قوّتها طلب درجة الملائكة فتركها ذلك للعجز ، وأمّا الإنسان ففي قوّته ذلك والقادر على نيل الكمال أحرى بالذّم وأجدر بالنسبة إلى الضّلال مهما تقاعد عن طلب الكمال ، وإذا كان هذا كلاما معترّضا فلنرجع إلى المقصود فقد بيّنا معنى قول : « لا إله إلا اللَّه » ومعنى قول « لا حول ولا قوّة إلا باللَّه » وأنّ من ليس قائلا بهما عن مشاهدة فلا يتصوّر منه حال التوكَّل .
فإن قلت : أليس في قولك « لا حول ولا قوّة إلا باللَّه » إلا نسبة شيئين إلى اللَّه فلو قال : قائل السّماء والأرض خلق اللَّه فهل يكون ثوابه مثل ثوابه ؟ فأقول : لا ، لأنّ الثواب على قدر درجة المثاب عليه ولا مساواة بين الدّرجتين ولا ينظر إلى عظم السّماء والأرض وصغر الحول والقوّة وإن جاز وصفهما بالصّغر تجوّزا فليست الأمور بعظم الأشخاص ، بل كلّ عاميّ يفهم أنّ الأرض والسّماء ليس
هامش
[ 1 ] الإسكاف - بالكسر - : صانع الخفاف جمعه أساكفة .