خالقا حوله وقوّته بل هو جاعل لهما مفيدين في أنفسهما ولم يكونا مفيدين لولا فعله وإنّما يصدق ذلك في حقّ الوكيل المطلق الحقّ وهو اللَّه تعالى إذ هو خالق الحول والقوّة كما سبق في التوحيد وهو الَّذي جعلهما مفيدين إذ جعلهما شرطا لما سيخلقه من بعدهما من الفوائد والمقاصد ، فإذن لا حول ولا قوّة إلا باللَّه حقّا وصدقا فمن شاهد هذا كذلك كان له الثواب العظيم الَّذي وردت به الأخبار في من يقول : « لا حول ولا قوّة إلا باللَّه » وذلك قد يستبعد فيقال : كيف يعطى هذا الثواب العظيم بهذه الكلمة مع سهولتها على اللَّسان وسهولة اعتقاد القلب بمفهوم لفظها ، وهيهات فإنّما ذلك جزاء المشاهدة الَّتي ذكرناها في التوحيد ونسبة هذه الكلمة وثوابها إلى كلمة لا إله إلا اللَّه وثوابها كنسبة معنى إحداهما إلى الأخرى إذ في هذه الكلمة إضافة لشيئين إلى اللَّه تعالى فقطَّ وهو الحول والقوّة ، وأمّا كلمة لا إله إلا اللَّه فهو نسبة للكلّ إليه فانظر إلى التفاوت بين الكلّ وبين شيئين لتعرف به ثواب لا إله إلا اللَّه بالإضافة إلى هذا ، وكما ذكرنا من قبل أنّ للتوحيد قشرين ولبّين فكذلك لهذه الكلمة ولسائر الكلمات ، وأكثر الخلق قد قيّدوا بالقشرين وما نظروا إلى اللَّبّين وإلى اللَّبّين الإشارة بقول النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من قال : لا إله إلا اللَّه صادقا من قلبه مخلصا وجبت له الجنّة » ( 1 ) وحيث أطلق من غير ذكر الصّدق والإخلاص أراد بالمطلق المقيّد كما أضاف المغفرة إلى الإيمان والعمل الصالح في بعض المواقع ، وأضاف إلى مجرّد الإيمان في بعض المواضع والمراد به المقيّد بالعمل الصالح ، فالملك لا ينال بالحديث وحركة اللَّسان حديث وعقد القلب أيضا حديث ولكنّه حديث النفس ، وإنّما الصدق والإخلاص وراءهما ولا ينصب سرير الملك إلا للمقرّبين وهم المخلصون نعم لمن يقرب منهم في الرّتبة من أصحاب اليمين أيضا درجات عند اللَّه وإن كانت لا تنتهي إلى الملك أما ترى أنّ اللَّه تعالى لمّا ذكر في سورة الواقعة المقرّبين السابقين تعرّض لسرير الملك فقال : « على سرر موضونة . متّكئين عليها متقابلين » ( 2 ) ولمّا انتهى إلى أصحاب اليمين ما زاد على ذكر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 411
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤١١
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني من حديث زيد بن أرقم ( المغني ) .
( 2 ) الواقعة : 16 و 17 .