والمقام الثاني ينفي كلّ تدبير إلا من حيث الفزع إلى اللَّه بالدّعاء والابتهال كتدبير الطفل في التعلَّق بأمّه فقطَّ . والمقام الأوّل لا ينفي أصل التدبير والاختيار ولكن ينفي بعض التدبيرات كالمتوكَّل على وكيله في الخصومة فإنّه يترك تدبيره من غير جهة الوكيل ، ولكن لا يترك التدبير الَّذي أشار إليه وكيله به . أو التدبير الَّذي عرفه من عادته وسنّته دون تصريح إشارته ، فأمّا الَّذي يعرفه بإشارته بأن يقول له : لست أتكلَّم إلا في حضورك فيشتغل لا محالة بالتّدبير للحضور ولا يكون هذا مناقضا توكَّله عليه إذ ليس هو فزعا منه إلى حول نفسه وقوّته في إظهار الحجّة وإلى حول غيره ، بل من تمام توكَّله عليه أن يفعل ما رسمه له إذ لو لم يكن متوكَّلا عليه ولا معتمدا له في قوله لما حضر بقوله ، وأمّا المعلوم بعادته واطَّراد سنّته فهو أن يعلم من عادته أنّه لا يحاجّ الخصم إلا من السجلّ فتمام توكَّله إن كان متوكَّلا عليه أن يكون معوّلا على سنّته وعادته ووافيا بمقتضاها وهو أن يحمل السجلّ مع نفسه إليه عند مخاصمته فإذن لا يستغنى عن التدبير في الحضور وعن التدبير في إحضار السجلّ ولو ترك شيئا من ذلك كان نقصا في توكَّله فكيف يكون فعله نقصا فيه نعم بعد أن حضره وفاء بإشارته وأحضر السجلّ وفاء بسنّته وعادته وقعد ناظرا إلى محاجّته فقد ينتهي إلى المقام الثاني والثالث في حضوره حتّى يبقى كالمبهوت المنتظر لا يفزع إلى حوله وقوّته إذ لم يبق له حول ولا قوّة وقد كان فزعه إلى حوله وقوّته في الحضور وإحضار السجلّ بإشارة الوكيل وسنّته وقد انتهى إلى نهايته فلم يبق إلا طمأنينة النفس والثقة بالوكيل والانتظار لما يجري وإذا تأمّلت هذا اندفع عنك كلّ إشكال في التوكَّل وفهمت أنّه ليس من شرط التوكَّل ترك كلّ تدبير وعمل وأنّ كلّ تدبير وعمل لا يجوز أيضا مع التوكيل بل هو على الانقسام وسيأتي تفصيله في الأعمال فإذن فزع المتوكَّل إلى حوله وقوّته في الحضور والإحضار لا يناقض التوكَّل ، لانّه يعلم أنّه لولا الوكيل لكان حضوره وإحضاره باطلا وتعبا محضا بلا جدوى ، فإذن لم يصر مفيدا من حيث إنّه حوله وقوّته ، بل من حيث إنّ الوكيل جعله معتمدا لمحاجّته وعرفه ذلك بإشارته وسنّته فإذن لا حول ولا قوّة إلا بالوكيل ، إلا أنّ هذه الكلمة لا يكمل معناها في حقّ الوكيل لأنّه ليس
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 410
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤١٠