تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥

مسرورين ، وفي البلاء راضين ، وفي الرّخاء شاكرين ، وفي الضرّاء صابرين ، وفي السرّاء حامدين ، وكانوا للَّه متواضعين ، وعن حبّ العلوّ والتكاثر ورعين ، لم ينالوا من الدّنيا إلا المباح لهم ، ورضوا بالبلغة منها ، وزجّوا الدّنيا ( 1 ) وصبروا على مكارهها ، وتجرّعوا مرارتها ، وزهدوا في نعيمها وزهرتها ، فباللَّه أكذلك أنت ؟ ولقد بلغنا أنّهم كانوا إذا أقبلت الدّنيا عليهم حزنوا وقالوا : ذنب عجّلت عقوبته من اللَّه وإذا رأوا الفقر مقبلا قالوا : مرحبا بشعار الصالحين ، وبلغنا أنّ بعضهم كان إذا أصبح وعند عياله شيء أصبح كئيبا حزينا وإذا لم يكن عندهم شيء أصبح فرحا مسرورا فقيل لهم : إنّ الناس إذا لم يكن عندهم شيء حزنوا وإذا كان عندهم شيء فرحوا وأنت لست كذلك فقال : إنّي إذا أصبحت وليس عندي شيء فرحت إذ كانت لي بمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أسوة وإذا كان عند عيالي شيء اغتممت إذ لم يكن لي بآل محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أسوة ، وبلغنا أنّهم كانوا إذا سلك بهم سبيل الرّخاء حزنوا وأشفقوا وقالوا : ما لنا وللدّنيا وما يراد بها ، فكأنّهم على جناح خوف ، وإذا سلك بهم سبيل البلاء فرحوا واستبشروا ، وقالوا : الآن تعاهدنا ربّنا ، فهذه أحوال السلف ونعمتهم وفيهم من الفضل أكثر ممّا وصفنا ، فباللَّه أكذلك أنت ؟ إنّك لبعيد التشبّه بالقوم وسأصف لك أحوالك أيّها المفتون ضدّا لأحوالهم وذلك أنّك تطغى عند الغنى ، وتبطر في الرّخاء ، وتمرح عند السرّاء ، وتغفل عن شكر النعماء ، وتقنط عند الضرّاء ، وتسخط عند البلاء ، ولا ترضى بالقضاء ، نعم وتبغض الفقر وتأنف من المسكنة ، وذلك فخر المرسلين وأنت تأنف من فخرهم وتدّخر المال وتجمعه خوفا من الفقر وذلك من سوء الظنّ باللَّه تعالى وقلَّة اليقين بضمانه وكفى به إثما ، ولعلَّك تجمع المال لنعيم الدّنيا وزهرتها وشهواتها ولذّاتها ولقد بلغنا أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : « شرار أمّتي الَّذين غذوا بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم » ( 2 ) وبلغنا أن بعض أهل العلم قال : ليجيء يوم القيامة قوم يطلبون حسنات لهم فيقال لهم : « أذهبتم طيّباتكم في حياتكم

هامش
( 1 ) زجه أي طعنه . وبالشيء : رمى به .
( 2 ) أخرجه الحاكم بسند صحيح وقد تقدم .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 95 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري