عليكم إنّ الَّذي لا بأس به عندكم كان كالموبقات ( 1 ) عندهم وكانوا للزّلَّة الصغيرة أشدّ استعظاما منكم لكبائر المعاصي فليت أطيب مالك وأحلَّه مثل شبهات أموالهم ، وليتك أشفقت من سيّئاتك كما أشفقوا على حسناتهم أن لا تقبل ، ليت صومك على مثل إفطارهم ، وليت اجتهادك في العبادة على مثل فتورهم ونومهم ، وليت جميع حسناتك مثل واحدة من حسناتهم ، وقد بلغني عن بعض الصحابة أنّه قال : غنيمة الصدّيقين ما فاتهم من الدّنيا ، ونهمتهم ( 2 ) ما زوي عنهم منها ، فمن لم يكن كذلك فليس معهم في الدّنيا ولا معهم في الآخرة ، فسبحان اللَّه كم بين الفريقين من التفاوت ، فريق خيار الصحابة في العلوّ عند اللَّه وفريق أمثالكم في السفالة أو يعفو اللَّه الكريم بفضله ، وبعد فإن زعمت أنّك متأسّ بالصحابة بجمع المال للتعفّف والبذل في سبيل اللَّه فتدبّر أمرك ويحك هل تجد من الحلال في دهرك كما وجدوا في دهرهم أو تحسب أنّك محتاط في طلب الحلال كما احتاطوا ، لقد بلغني أنّ بعض الصحابة قال : كنّا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام ، أفتطمع من نفسك في مثل هذا الاحتياط لا وربّ الكعبة ما أحسبك كذلك ويحك كن على يقين أنّ جمع المال لأعمال البرّ مكيدة من الشيطان ليوقعك بسبب البرّ في اكتساب الشبهات الممزوجة بالسحت والحرام ، وقد بلغنا أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : « من اجترأ على الشبهات يوشك أن يقع في الحرام » [ 1 ] أيّها المغرور أما علمت أنّ خوفك من اقتحام الشبهات أعلى وأفضل وأعظم لقدرك عند اللَّه من اكتساب الشبهات وبذلها في سبيل اللَّه وسبيل البرّ ، بلغنا ذلك عن بعض أهل العلم قال : لأن تدع درهما واحدا مخافة أن لا يكون حلالا خير لك من أن تتصدّق بألف دينار من شبهة لا تدري أيحلّ لك أم لا ، فإن زعمت أنّك أتقى وأورع من أن تتلبّس بالشبهات وإنّما تجمع المال بزعمك من
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 97
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٩٧
هامش
( 1 ) أي المهلكات .
( 2 ) أي فرط شهوتهم .
[ 1 ] أخرجه البخاري ج 3 ص 70 في حديث هكذا : « ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان . والمعاصي حمى اللَّه من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه »
. وأخرجه مسلم ج 5 ص 50 هكذا « فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه » .