حتّى انتهى إلى عثمان يستغيث به وأخبره الخبر ، فأقبل أبو ذرّ - رحمه اللَّه - يقتصّ الأثر في طلب كعب حتّى انتهى إلى دار عثمان فلمّا دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هاربا من أبي ذرّ ، فقال له أبو ذرّ : هيه يا ابن اليهوديّة تزعم أن لا بأس بما ترك عبد الرّحمن بن عوف لقد خرج رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يوما نحو أحد وأنا معه فقال : يا أبا ذرّ فقلت : لبّيك يا رسول اللَّه ، فقال : « الأكثرون هم الأقلَّون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا عن يمينه وشماله وقدّامه وخلفه وقليل ما هم ، ثمّ قال : يا أبا ذرّ قلت : نعم يا رسول اللَّه بأبي أنت وأمّي ، قال : ما يسرّني أنّ لي مثل أحد ذهبا أنفقه في سبيل اللَّه أموت يوم أموت وأترك منه قيراطين قلت أو قنطارين يا رسول اللَّه ؟ قال : بل قيراطان ، ثمّ قال : يا أبا ذرّ وأنت تريد الأكثر وأنا أريد الأقلّ » فرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يريد هذا وأنت تقول - يا ابن اليهوديّة - :
لا بأس بما ترك عبد الرّحمن بن عوف ، كذبت وكذب من قال بقولك ، فلم يردّ جوابا حتّى خرج [ 1 ] وبعد فالعجب كلّ العجب لكلّ مفتون يتمرّغ في مخاليط الشبهات والسّحت ويتكالب على أوساخ الناس وهو يتقلَّب في الشهوات والزّينة والمباهاة ويتقلَّب في فتن الدّنيا ، ثمّ يحتجّ بالصحابة ولعمري لقد كانت لبعض الصحابة أموال أرادوا بها التعفّف والبذل في سبيل اللَّه فكسبوا حلالا ، وأنفقوا قصدا ، وقدّموا فضلا ، ولم يمنعوا منها حقّا ، ولم يبخلوا بها ، لكنّهم جادوا اللَّه بأكثرها وجاد بعضهم بجميعها ، وفي الشدّة آثروا اللَّه تعالى على أنفسهم كثيرا فباللَّه أكذلك أنت إنّك لبعيد التشبّه بالقوم وبعد فإنّ أخيار الصحابة كانوا للمسكنة محبّين ومن خوف الفقر آمنين وباللَّه في أرزاقهم واثقين وبمقادير اللَّه
هامش
[ 1 ] قال العراقي : الحديث متفق عليه وقد تقدم دون هذه الزيادة التي في أوله من قول كعب حين مات عبد الرحمن بن عوف « كسب طيبا وترك طيبا » وإنكار أبي ذر عليه فلم أقف على هذه الزيادة إلا في قول الحارث المحاسبي بلغني كما ذكره المصنف ( يعنى أبا حامد ) وقد رواها أحمد وأبو يعلى أخصر من هذا ولفظ كعب إذا كان قضى عنه حق اللَّه فلا بأس به فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا وقال سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله يقول : « ما أحب لو كان هذا الجبل لي ذهبا . . . الحديث »
وفيه ابن لهيعة .