المعاصي وإلى التلف والبوار مصيره ، فرح الهالك برجائه فلم تبق له دنياه ولم يسلم له دينه ، خسر الدّنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ، فيا لها من مصيبة ما أفظعها ، ورزيّة ما أجلَّها ، ألا فراقبوا اللَّه إخواني ولا يغرّنّكم الشيطان وأولياؤه من الإنس بالحجج الدّاحضة عند اللَّه ، فإنّهم يتكالبون على الدّنيا ، ثمّ يطلبون لأنفسهم المعاذير والحجج ويزعمون أنّ أصحاب محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كانت لهم أموال فيتزيّن المغرورون بذكر الصحابة ليعذرهم الناس على جمع المال ولقد دهاهم الشيطان وما يشعرون ، ويحك أيّها المفتون متى زعمت أنّ جمع المال الحلال أعلى وأفضل من تركه فقد ازدريت محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم والمرسلين ونسبتهم إلى قلَّة الرّغبة والزّهد في هذا الخير الَّذي رغبت فيه أنت وأصحابك من جمع المال ، ونسبتهم إلى الجهل إذ لم يجمعوا المال كما جمعت ، ومتى زعمت أنّ جمع المال الحلال أعلى من تركه فقد زعمت أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لم ينصح للأمّة إذ نهاهم عن جمع المال الحلال ، وقد علم أنّ جمع المال خير للأمّة فقد غشّهم بزعمك حين نهاهم عنه كذبت وربّ السماء على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لقد كان للأمّة ناصحا وعليهم مشفقا وبهم رؤوفا ، ومتى زعمت أنّ جمع المال خير لهم ، أو زعمت أنّ اللَّه عزّ وجلّ لم يعلم أنّ الفضل في الجمع فلذلك نهاهم عنه وأنت عليم بما في المال من الخير والفضل ولذلك رغبت في الاستكثار كأنّك أعلم بمواضع الفضل والخير من ربّك تعالى اللَّه عن جهلك ، أيّها المفتون تدبّر ما دهاك به الشيطان حين زيّن لك الاحتجاج بمال الصحابة ويحك وما ينفعك الاحتجاج بمال عبد الرّحمن بن عوف فلعلّ ودّ ابن عوف في القيامة أنّه لم يؤت من الدّنيا إلا قوتا ولقد بلغني أنّه لمّا توفي عبد الرّحمن بن عوف ( 1 ) قال أناس من أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّا نخاف على عبد الرّحمن فيما ترك فقال كعب : سبحان اللَّه وما تخافون على عبد الرّحمن كسب طيّبا وأنفق طيّبا وترك طيّبا ، فبلغ ذلك أبا ذرّ - رضي اللَّه عنه - فخرج مغضبا يريد كعبا فمرّ بعظم لحى بعير فأخذه بيده ثمّ انطلق يطلب كعبا فقيل لكعب : إنّ أبا ذرّ يطلبك فخرج هاربا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 93
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٩٣
هامش
( 1 ) راجع مجمع الزوائد ج 10 ص 239 .