الدّنيا واستمتعتم بها » وأنت في غفلة قد حرمت نعيم الآخرة بسبب نعيم الدّنيا فيا لها حسرة ومصيبة نعم وعساك تجمع المال للتكاثر والعلوّ والفخر والزّينة في الدّنيا وقد بلغنا أنّ من طلب الدّنيا للتكاثر بها أو للتفاخر لقي اللَّه وهو عليه غضبان ، وأنت غير مكترث بما حلّ بك من غضب اللَّه حين أردت التكاثر والعلوّ ، نعم وعساك المكث عندك في الدّنيا أحبّ إليك من النقلة إلى جوار اللَّه وأنت تكره لقاء اللَّه واللَّه للقائك أكره وأنت في غفلة ، وعساك تأسف على ما فاتك من عرض الدّنيا وقد بلغنا أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : « من أسف على دنيا فاتته اقترب من النار مسيرة سنة » ( 1 ) وأنت تأسف على ما فاتك غير مكترث بقربك من عذاب اللَّه نعم ولعلَّك تخرج من دينك أحيانا لتوفير دنياك وتفرح لإقبال الدّنيا عليك وترتاح لذلك سرورا بها وقد بلغنا أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : « من أحبّ الدّنيا وسرّ بها ذهب خوف الآخرة من قلبه » ( 2 ) وبلغنا أنّ بعض أهل العلم قال : إنّك محاسب على الحزن على ما فاتك ومحاسب بفرحك في الدّنيا إذا قدرت عليها وأنت تفرح بدنياك وقد سلبت الخوف من اللَّه تعالى ، وعساك تعني بأمور دنياك أضعاف ما تعني بأمور آخرتك ، وعساك أنّ مصيبتك في معاصيك في انتقاص دينك أهون من مصيبتك في انتقاص دنياك ، نعم وخوفك من ذهاب مالك أكثر من خوفك من الذّنوب ، وعساك تبذل للناس ما جمعت من الأوساخ كلَّها للعلوّ والرّفعة في الدّنيا ، وعساك ترضى المخلوقين بمساخط اللَّه تعالى كيما تكرم وتعظم ، ويحك فكأنّ احتقار اللَّه لك في القيامة أهون عليك من احتقار الناس إيّاك ، عساك تخفي من المخلوقين مساويك ولا تكثرت باطَّلاع اللَّه عليك فيها فكأنّ الفضيحة عند اللَّه أهون عليك من الفضيحة عند الناس ، وكأنّ العبيد أعلى عندك قدرا من اللَّه تعالى ، اللَّه عن جهلك ، فكيف تنطق عند ذوي الألباب وهذه المثالب فيك ، أفّ لك تتلوّث في الأقذار تحتجّ بمال الأبرار ؟ هيهات ما أبعدك عن السلف واللَّه لقد بلغني أنّهم كانوا فيما أحلّ اللَّه لهم أزهد منكم فيما حرّم
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 96
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٩٦
هامش
( 1 ) أخرجه الرازي في مشيخته عن ابن عمرو بسند ضعيف كما في الجامع الصغير .
( 2 ) للحارث بن أسد المحاسبي كما ذكره المصنف .