ذكرنا شرح ذلك في كتاب العلم . ومن هؤلاء من اقتصر من علم الفقه على الخلافيّات ولم يهمّه إلا تعلَّم طريق المجادلة والإلزام وإفحام الخصوم ودفع الحقّ لأجل الغلبة والمباهاة فهو طول اللَّيل والنّهار في التفتيش عن مناقضات أرباب المذاهب والتفقّد لعيوب الأقران والتلقّف لأنواع التسبيبات المؤذية ، وهؤلاء هم سباع الإنس طبعهم الإيذاء وهمّهم السفه ، ولا يقصدون العلم إلا لضرورة ما يلزمهم لمباهاة الأقران ، فكلّ علم لا يحتاجون إليه في المباهاة كعلم القلب وعلم سلوك الطريق إلى الله تعالى بمحو الصفات المذمومة وتبديلها بالمحمودة فإنّهم يستحقرونه ويسمّونه التزويق وكلام الوعّاظ وإنّما التحقيق عندهم معرفة تفاصيل العربدة الَّتي تجري بين المتصارعين في الجدل وهؤلاء قد جمعوا ما جمعه الَّذين من قبلهم في علم الفتاوي لكن زادوا إذ اشتغلوا بما ليس من فروض الكفايات أيضا بل جميع دقائق الجدل في الفقه بدعة لم يعرفها السلف . وأمّا أدلَّة الأحكام فيشتمل عليها علم المذاهب وهو كتاب الله تعالى وسنّة رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وفهم معانيهما ، وأمّا حيل الجدل من الكسر والقلب وفساد الوضع والتركيب والتعدية فهي إنّما أبدعت لإظهار الغلبة والإفحام وإقامة سوق الجدل بها ، فغرور هؤلاء أشدّ كثيرا وأقبح من غرور من قبلهم .
وفرقة أخرى اشتغلوا بعلم الكلام والمجادلة في الأهواء والردّ على المخالفين وتتّبع مناقضاتهم ، واستكثروا من معرفة المقالات المختلفة واشتغلوا بتعلَّم الطرق في مناظرة أولئك وإفحامهم وافترقوا في ذلك فرقا كثيرة واعتقدوا أنّه لا يكون لعبد عمل إلا بالإيمان ولا يصحّ إيمان إلا بأن يتعلَّم جدلهم وما يسمّونه أدلَّة عقائدهم وظنّوا أنّه لا أحد أعرف بالله وبصفاته منهم وأنّه لا إيمان لمن لم يعتقد مذهبهم ولم يتعلَّم علمهم ودعت كلّ فرقة منهم إلى نفسها ثمّ هم فرقتان : ضالَّة ومحقّة ، والضالَّة هي الَّتي تدعو إلى غير السنّة ، والمحقّة هي الَّتي تدعو إلى السنّة ، والغرور شامل لجميعهم ، أمّا الضالَّة فلغفلتها عن ضلالها وظنّها بنفسها النجاة ، وهم فرق كثيرة يكفّر بعضهم بعضا وإنّما أتيت من حيث أنّها لم تتّهم رأيها ولم تحكم أوّلا شروط الأدلَّة ومنهاجها فرأى أحدهم الشبهة دليلا والدّليل شبهة ، وأمّا الفرقة المحقّة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 320
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٢٠